أشهر قضايا التحكيم الدولي - قضية كرومالوي

ملخص قضية كرومالوي

وقعت أحداث قضية كرومالوي في تسعينات القرن الماضي أي بعد انتهاء أحداث قضية هضبة الأهرام بفترة وجيزة. وتتلخص وقائعها في اتفاق هيئة تسليح القوات الجوية التابعة لوزارة الدفاع مع الشركة الأمريكية كرومالوي على إن تتعهد الأخيرة بتزويد الوزارة بقطع الغيار اللازمة للطائرات الهيلوكوبتر، ونظرا لتأخر الشركة الأمريكية في تنفيذ التزاماتها بتوريد قطع الغيار محل التعاقد، فقد قام وزير الدفاع باتباع ذات الطريق الذي اتبعته الدولة بخصوص هضبة الأهرام وفسخ العقد بالإرادة المنفردة، كما قام بتسييل خطابات الضمان المقدمة من الشركة الأمريكية، وذلك بزعم انه عقد إداري يمكن فسخة وفقا لقواعد القانون المصري باعتباره القانون الواجب التطبيق علي موضوع النزاع باتفاق الطرفين.

وقد بررت الحكومة المصرية مسلكها في فسخ العقد بان القانون الإداري يخولها سلطات واسعة استثنائية، تمكنها من تعديل أو إلغاء العقد في حالة إخلال المتعاقد بالتزاماته.

لم تقف شركة كرومالوي مكتوفة الأيدي وذهبت إلى التحكيم أمام مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي إعمالا لشرط التحكيم الوارد في العقد المبرم بين الطرفين. رفض المحكم تبرير الحكومة المصرية، بل ورفض تطبيق القانون الإداري لخروج العقد المتضمن لشرط التحكيم من فكرة العقود الإدارية، ثم قام بتطبيق القانون المدني المصري وتحديدا القواعد الواردة في نظرية الالتزامات التي تحظر على أي طرف إنهاء العقد بالإرادة المنفردة. فما نشأ بالإرادة المشتركة للمتعاقدين، لا يجوز التحلل منه إلا بالإرادة المشتركة للمتعاقدين. فالعقد شريعة المتعاقدين لا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون. والفسخ لا يكون إلا بحكم قضائي وبعد موازنة القاضي أو المحكم بين مصالح الطرفين استنادا لنص المادة 157 من القانون المدني، التي تنص على أنه "1- في العقود الملزمة للجانبين، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه جاز للمتعاقد الأخر بعد إعذاره المدين أن يطالب بتنفيذ العقد أو بفسخه، مع التعويض في الحالتين إن كان له مقتضى. ۲- ويجوز للقاضي أن يمنح المدين آجلا إذا اقتضت الظروف ذلك، كما يجوز له أن يرفض الفسخ إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام في جملته".

وحسب ما قررت هيئة التحكيم إن الجهة الإدارية إذ قامت بفسخ العقد تكون تجاوزت حدودها، ونصبت نفسها موقف القاضي الذي وازن بين موقف الطرفين وقرر إنهاء العقد لصالح طرف دون طرف. ولهذه الأسباب فقد صدر حكم التحكيم بإلزام الحكومة المصرية بأن تؤدي لشركة كرومالوي ما يجاوز ۱۷ مليون دولار.

طعنت الحكومة ببطلان حكم التحكيم أمام محكمة استئناف القاهرة، بلد مقر التحكيم، فقضت بجلسة 5 فبراير۱۹۹۰ ببطلان حكم التحكيم لاستبعاد المحكم تطبيق قواعد القانون الإداري المصري وتطبيق قواعد القانون المدني بدلا منها، وذلك استنادا لنص المادة 53 من قانون التحكيم، التي تنص على أنه "1- لا تقبل دعوى بطلان حكم التحكيم إلا في الأحوال الآتية: .................. (ء) إذا استبعد حكم التحكيم تطبيق القانون الذي اتفق الأطراف على تطبيقه على موضوع النزاع"

لم تقف شركة كرومالوي مكتوفة الأيدي بعد صدور حكم محكمة استئناف القاهرة ببطلان حكم التحكيم، فقامت بتتبع أرصدة الحكومة المصرية في الخارج ولجأت إلى محكمة استئناف باريس للمطالبة بتنفيذ حكم التحكيم على الأصول المصرية في فرنسا، وبالفعل حكمت المحكمة الأخيرة بالتنفيذ رغم تقرير بطلانه في مصر. ثم لجأت بعد ذلك إلى محكمة مقاطعة كولومبيا للمطالبة بتنفيذ حكم التحكيم على الأصول المصرية في أمريكا. ولم يختلف مذهب محكمة مقاطعة كولومبيا عن مذهب محكمة استئناف باريس، فقضت لكرومالوي بباقي مستحقاتها من أرصدة مصر الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية.

وتجدر الإشارة إلى أن تنفيذ كل من القضاء الفرنسي والقضاء الأمريكي لحكم كرومالوي على الرغم من قضاء المحاكم المصرية ببطلانه، يعد مخالفة صريحة لنص المادة الخامسة من اتفاقية نيويورك بشأن تنفيذ أحكام المحكمين الأجنبية. حيث انه يصطدم بصريح نص المادة ۱/5/ه، التي جعلت من أسباب رفض التنفيذ ظاهرة البيان "أن الحكم لم يصبح ملزمًا للخصوم أو ألغته أو أوقفته السلطة المختصة في البلد التي فيها أو بموجب قانونها صدر الحكم"، وهكذا لم يعد حكم كرومالوي ملزماً للخصوم بسبب إلغائه أو إيقافه من السلطة المختصة في البلد التي فيها ووفقا لقانونها صدر هذا الحكم وهي محكمة استئناف القاهرة.

الدرس المستفاد من قضية كرومالوي

لا شك أن المذهب السابق يظهر مدى تحيز القضاء الفرنسي والأمريكي لتنفيذ حكم كرومالوي ضد الحكومة المصرية؛ ولكن تظل الجهة الإدارية، بخطئها المتكرر هي التي أدت بنا إلى هذا المصير، فالذي تجدر الإشارة إليه أن سبب قيام النزاع هو إنهاء الجهة الإدارية للعقد بإرادتها المنفردة بزعم أنه من العقود الإدارية، في حين أنه ليس كذلك وهو ما يثير التساؤل ثانية عن الدور الذي يقوم به المستشار القانوني في الوزارات والجهات الإدارية المختلفة؛ هل يتم إنهاء هذه العقود بناء على فتواه أم أنه يكتفي بمقعد المشاهد؟!

واللافت للنظر أن الحكومة المصرية لم تستفد من تجربتها في قضية هضبة الأهرام. وإنما أعادت ارتكاب ذات الخطأ العقدي الموجب لمسئوليتها المدنية تجاه المستثمر، وهو فسخ العقد بإرادة واحدة، دون اعتبار أنه مكون بإرادتين. والعجيب ألا ننظر لأخطاء الماضي لتفادي تكرارها في المستقبل.


المصدر د. عبد المنعم زمزم، إنهاء الدولة للعقود بإرادتها المنفردة وأثرة على خسائرها من التحكيم في ضوء قانون الاستثمار الدولي، الطبعة الأولي دار النهضة العربية،


أقرأ أيضا قضية هضبة الأهرام

للمزيد حول اتجاهات محكمة النقض والمحاكم العليا في التحكيم الدولي انضم للمشاركين في شهادة المحكم المحترف