فرنسا أم إنجلترا: من سيفوز بلقب مقر التحكيم المفضل؟
2024/07/02

لا يخفى على أحد التاريخ التنافسي الطويل بين إنجلترا وفرنسا. فعلى مدى قرون، خاضت الإمبراطوريتان الفرنسية والبريطانية حروبًا للسيطرة على العالم الجديد، ثم وسعتا طموحاتهما المتعارضة لتشمل الهند والمحيط الهادئ وأفريقيا. أما اليوم، يأخذ هذا التنافس شكلًا مختلفًا.

و على الرغم من كون الدولتين حليفين سياسيين كبيرين، إلا أن الصراع على التفوق في مجال التحكيم بينهما أمر سائد؛ حيث  تتخاصم المحاكم الفرنسية والإنجليزية باستمرار حول اختصاص كل منهما في إجراءات التحكيم، وذلك وفقًا للقانون الذي يحكم اتفاق التحكيم.

على الرغم من عدم مفاجأة المنافسة بينهما، إلا أن جذب إجراءات التحكيم إلى الدولة المضيفة أصبح الآن بمثابة فن راقٍ، وذلك بسبب تراجع دعاوى التقاضي لصالح التحكيم، نتيجة للعولمة والطبيعة الدولية المتزايدة للنزاعات. ومن بين العديد من الأنظمة القضائية الأخرى حول العالم، تعد لندن وباريس من أكبر المتنافسين في مجال التحكيم: حيث يقدم كلا النظامين نهجًا مختلفًا في مجالات تتراوح بين إدارة التحكيم وإنفاذ الأحكام.

ومع اقتراب استضافة باريس للألعاب الأولمبية الصيفية 2024، تُشكل هذه المناسبة فرصة مثالية لاستعراض المنافسة الودية بين المقرين الرائدين في مجال التحكيم الدولي. لذلك، نتابع باهتمام تطور قطاع التحكيم في كلا البلدين ونترقب نتائج الجهود التي يبذلانها لتعزيز مكانتهما العالمية.

بيان الفريقين

يتمثل الفريق الأول الممثل لفرنسا في غرفة التجارة الدولية لمحكمة التحكيم الدولية :(ICC) وهي رائدة مؤسسات التحكيم الفرنسية. وتشمل المؤسسات الرئيسية الأخرى في فريق فرنسا جمعية التحكيم الفرنسية (Association Française d’Arbitrage)، والغرفة الإقليمية للتحكيم (Chambre Régionale d’Arbitrage)، وغرفة التحكيم الدولية في باريس (Chambre Arbitrale Internationale de Paris)، ومركز الوساطة والتحكيم في باريس (Centre de Médiation et d’Arbitrage de Paris, CMAP)، ومحكمة التحكيم الأوروبية الواقعة في ستراسبورغ.

ففي عام 2023، احتفلت غرفة التجارة الدولية (ICC) بالذكرى المئوية لتأسيسها، حيث نظرت أكثر من 28,000 قضية منذ إنشائها. تعد مجالات البناء والطاقة والصناعة والتقنيات الرقمية القطاعات الرئيسية في فرنسا التي تلجأ إلى إجراءات التحكيم الدولي. وتتعلق غالبية النزاعات بانتهاكات العقد أو الإنهاء التعسفي للعلاقات التجارية.

وفي الفريق الثاني، ممثلاً عن إنجلترا، نجد محكمة لندن للتحكيم الدولي (LCIA): التي تعد جوهر التحكيم الإنجليزي منذ عام 1889. ومن بين مؤسسات التحكيم الرئيسية الأخرى في فريق إنجلترا نجد مركز حل النزاعات الفعال (CEDR)، وغرفة لندن للتحكيم والوساطة (LCAM)، ومحاكم فالكون للتحكيم، وهيئة فض النزاعات الرياضية.

ووفقًا لتقرير قضايا التحكيم السنوي لعام 2022 الصادر عن محكمة لندن للتحكيم التجاري الدولي (LCIA)، شهدت المحكمة زيادة في عدد قضايا التحكيم المحالة إليه حيث بلغت 333 قضية في عام 2022، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 60% خلال السنوات العشر الماضية. وفي الواقع، أظهرت دراسة استقصائية أجرتها جامعة كوين ماري في لندن عام 2021 أن لندن لا تزال مقر التحكيم المفضل في العالم، حيث تشكل الأطراف من خارج المملكة المتحدة حوالي 88% من مرتادي المحكمة. وبحسب التقرير، فإن القطاعات الثلاثة الأولى التي تهيمن على قضايا مركز لندن للتحكيم التجاري الدولي هي المصرفية والمالية، والطاقة والموارد، والنقل والسلع (تمثل مجتمعة 65% من جميع القضايا).

وفي حين تعد لندن المرشح الأوفر حظاً للفوز وفقاً للتوقعات في الوقت الراهن، إلا أنه توجد بعض الجوانب الأساسية لكل نهج تتطلب دراسة أعمق.

الإطار القانوني المنظم للتحكيم

يختلف قانون التحكيم الفرنسي بشكل أساسي عن قانون اليونيسترال النموذجي (UNCITRAL). في الواقع، يسبق قانون التحكيم الفرنسي إلى حد كبير القانون النموذجي ويختلف عنه في جوانب عديدة؛ حيث يعمد القانون الفرنسي إلى التمييز بين التحكيم المحلي والتحكيم الدولي.

يتم تقنين قانون التحكيم الفرنسي بشكل رئيسي في المواد من ١٤٤٢ إلى ١٥٢٧ من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي، والمواد من ٢٠٥٩ إلى ٢٠٦١ من القانون المدني الفرنسي. ويعتبر نظام التحكيم المحلي أكثر صرامة من نظام التحكيم الدولي، والذي يسمح للأطراف والمحكمين بمزيد من المرونة في اعتماد إجراءات التحكيم. وفقًا للمادة ١٥٠٤ من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي، يعتبر التحكيم دوليًا "عندما تكون مصالح التجارة الدولية على المحك". وبالتالي، يعتبر التحكيم دوليًا بناءً على المعايير الموضوعية المتعلقة بتجارة السلع أو الخدمات أو الأدوات المالية عبر الحدود، بغض النظر عن جنسية الأطراف والقوانين المطبقة أو مقر التحكيم. وهذا التمييز مهم لما له من أثر يتمثل في كون القواعد المطبقة على التحكيم الدولي أكثر تحرر ومرونة.

وفيما يتعلق بالتحكيم المحلي والدولي، ابتكرت فرنسا قاضياً متخصصاً (قاضي الدعم) يختص بالمسائل المتعلقة بالتحكيم ويعمل لدعم إجراءات التحكيم. يجوز لهذا القاضي مساعدة الأطراف في تشكيل هيئة التحكيم في حال حدوث أي مشكلة، خاصة في إجراءات التحكيم الحر (ad hoc)، حيث يقتصر دور القاضي على الإجراءات التي تحكمها قواعد مؤسسية.

بالإضافة إلى ذلك، أنشأت محكمة استئناف باريس غرفة دولية خاصة تركز حصريًا على نظر الطعون على الأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى في المسائل التجارية العابرة للحدود، بالإضافة إلى بعض المسائل الأخرى المحددة بما في ذلك إجراءات إلغاء أحكام التحكيم الدولية الصادرة في باريس، وكذلك الطعون على أوامر التنفيذ، وذلك بهدف ضمان اتساق وتوحيد الأحكام القضائية. وعلى نحو مماثل، تقوم محكمة النقض الفرنسية بإحالة مثل هذه الإجراءات بشكل منهجي إلى إحدى دوائرها المدنية.

على النقيض من ذلك، ينظم قانون التحكيم لعام 1996 إجراءات التحكيم المحلية والدولية التي تُعقد في إنجلترا وويلز وأيرلندا الشمالية. ويتأثر هذا القانون بقانون اليونيسترال النموذجي (UNCITRAL) ولكنه يختلف عنه في بعض الجوانب المهمة. على سبيل المثال، يعتبر قانون التحكيم إطارًا تشريعيًا موحدًا يحكم جميع إجراءات التحكيم، وليس فقط التحكيمات التجارية الدولية. وتُقدم الطلبات المتعلقة بدعم إجراءات التحكيم إلى محاكم متخصصة تابعة للمحكمة التجارية أو محكمة التكنولوجيا والبناء، وهي عادةً أقسام من محكمة الأعمال والممتلكات التابعة للمحكمة العليا.

سرية الإجراءت

وفقًا للمادة 1464 من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي والمتعلقة بالتحكيم المحلي، فإن إجراءات التحكيم تكون سرية ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك، ويمتد التزام السرية هذا ليشمل أسماء المحكمين ومؤسسة التحكيم والمستشارين القانونيين ومكان التحكيم.

أما بالنسبة للتحكيم الدولي، فلا يوجد نص قانوني فرنسي يفرض بشكل عام التزامًا بالسرية. وبالتالي، يتعين على الأطراف إبرام اتفاقية سرية، أو تضمين بند سرية في اتفاق التحكيم الخاص بهم، أو اختيار مؤسسة تنص صراحةً في قواعدها على سرية إجراءات التحكيم.

وعلى الرغم من ذلك، تنص المادة 1479 من قانون الإجراءات المدنية على وجوب حفظ أعضاء هيئة التحكيم لمشورتهم سرية، سواء أكان ذلك في إطار تحكيم محلي أو دولي.

وعلى عكس بعض التشريعات، لا ينص قانون التحكيم لعام 1996 في إنجلترا بشكل صريح على سرية إجراءات التحكيم. ومع ذلك، يُقر القانون الإنجليزي بشكل عام بسرية إجراءات التحكيم، مع استثناءات محدودة. على سبيل المثال، يجوز الكشف عن المستندات المستخدمة في إجراءات التحكيم بناءً على أمر من المحكمة، أو في الحالات التي يكون فيها هذا الكشف ضروريًا لأحد الأطراف لإثبات حقوقه القانونية أو حمايتها.

وفي إطار مراجعة قانون التحكيم لعام 1996 التي أجرتها لجنة القانون في عام 2022، اقترحت اللجنة عدم النص على سرية التحكيم في القانون الإنجليزي، وخلصت إلى أن هذه المسألة من الأفضل تركها للمحاكم للفصل فيها. وقد تم تقديم سببين رئيسيين لهذا المقترح: (أ) تُستخدم عملية التحكيم في حالات متنوعة، وهناك توجه نحو الشفافية في بعض أنواع التحكيمات (على سبيل المثال، منازعات المستثمرين والدولة)، و (ب) لا تزال السوابق القضائية المتعلقة بالسرية قيد التطور ولم يحن الوقت بعد لتقنينها.

تنفيذ الأحكام

فرنسا هي دولة موقعة على اتفاقية نيويورك - وكذلك على اتفاقية مركز تسوية منازعات الاستثمار الدولي (ICSID) - إلا أنها قدّمت تحفظًا واحدًا عند التصديق فيما يتعلق بمبدأ المعاملة بالمثل: (تعلن فرنسا أنها ستطبق الاتفاقية على أساس المعاملة بالمثل، فيما يتعلق بالاعتراف وتنفيذ الأحكام الصادرة فقط في إقليم دولة متعاقدة أخرى). وتجدر الإشارة إلى أن القانون الفرنسي عادة ما يسود على اتفاقية نيويورك وفقاً لنص المادة 7 (1) من الاتفاقية، لأن القانون الفرنسي في الواقع أكثر فائدة من الاتفاقية نفسها.

ولا يجوز تنفيذ حكم التحكيم الدولي في فرنسا إلا بعد إضفاء صيغة التنفيذ عليه عن طريق أمر تنفيذ يُعرف بـ (Exequatur). وتعتبر إجراءات الحصول على أمر التنفيذ غير تنازعية، ولا تسمح للقاضي سوى بمراقبة محدودة للحكم. ويقتصر دور القاضي في الواقع على التحقق من وجود الحكم المطلوب تنفيذه، ومن عدم مخالفته بشكل جسيم للتعريف الفرنسي للنظام العام الدولي. ويعد تعارض الحكم مع النظام العام الدولي الفرنسي السبب الوحيد لرفض منح أمر التنفيذ، والذي تعرفه المحاكم الفرنسية على أنه القيم والمبادئ التي لا يمكن تجاهلها، حتى في سياق دولي. ونادراً ما ترفض المحاكم الفرنسية منح أمر التنفيذ. وبما أن تعارض الحكم مع النظام العام الدولي الفرنسي هو السبب الوحيد للرفض، يجوز للمحاكم الفرنسية منح أمر التنفيذ حتى لو تم إبطال الحكم من قبل محاكم مقر التحكيم، حيث لا يُعتبر إبطال الحكم سبباً لرفض منح الأمر.

وبالنسبة لإنجلترا، فهي أيضًا من الدول الموقعة على اتفاقية نيويورك، ولكن مع تحفظ يقضي بتطبيق اتفاقية نيويورك فقط على الأحكام الصادرة في إقليم دولة متعاقدة أخرى. وفي قضية شركة (IPCO) (نيجيريا) المحدودة ضد المؤسسة الوطنية النيجيرية للبترول (2017)  IPCO (Nigeria) Ltd v Nigerian National Petroleum Corporation (2017) UKSC 16 ، اعتبرت المحكمة العليا أن الاتفاقية تشكل مجموعة كاملة من القواعد تهدف إلى تأسيس نهج دولي مشترك بشأن شروط الاعتراف بالاحكام وتنفيذها. وبناءً عليه، لا يجوز استخدام القواعد الإجرائية الإنجليزية لتقييد حقوق أحد الأطراف بموجب اتفاقية نيويورك.

ويتم تنظيم إجراءات تنفيذ حكم التحكيم في إنجلترا بموجب قانون التحكيم لعام 1996. وينص الباب 66 على طريقتين بديلتين لتنفيذ الحكم، وهما:

(أ) يجوز، بموجب إذن من المحكمة، تنفيذ حكم التحكيم بنفس الطريقة التي يتم بها تنفيذ حكم أو أمر صادر عن المحكمة.

(ب) يجوز للطرف المستفيد من الحكم أن يرفع دعوى على أساس الحكم، يطالب فيها المحكمة بنفس التعويض المنصوص عليه في حكم التحكيم.

وللحصول على الاعتراف وتنفيذ حكم تحكيم صادر بموجب اتفاقية نيويورك، بموجب المادة 102(1) من القانون لعام 1996، يتعين على أحد طرفي النزاع تقديم أصل حكم التحكيم المصدق عليه بشكل رسمي وأصل اتفاق التحكيم. أما أسباب الرفض فهي منصوص عليها في المادة 103 من القانون ذاته، والتي تعكس المادة الخامسة من اتفاقية نيويورك. وهذا يعني أن المحاكم الإنجليزية تحتفظ بالسلطة التقديرية لتنفيذ الحكم حتى في حالة وجود أحد أسباب الرفض. ومع ذلك، من النادر في التطبيق العملي أن تقضي المحاكم الإنجليزية بوجوب تنفيذ الحكم إذا وجدت أسبابًا لرفض الاعتراف به. وفي الواقع، أقرت المحكمة في قضية شركة "دلة العقارية والسياحية القابضة" ضد "وزارة الشؤون الدينية (باكستان)" (2009)  Dallah Real Estate & Tourism Holding Co v Ministry of Religious Affairs (Pakistan) (2009) EWCA Civ 755 ، بأن سلطتها التقديرية لتنفيذ الحكم - حتى في حالة وجود سبب منصوص عليه في المادة 103 - يجب تفسيرها بشكل ضيق.

بالإضافة إلى ذلك، ليس من الضروري أن تعترف المحكمة وتنفذ حكم التحكيم بكامل أجزائه. ففي قضية شركة (IPCO (Nigeria) Ltd)، قضت المحكمة العليا بأن مصطلح "(حكم) الوارد في قانون التحكيم لعام 1996 يجب تفسيره على نطاق واسع ليشمل (حكم التحكيم أو جزء منه)، مما يعني أنه يجوز للمحكمة تنفيذ جزء من الحكم فقط.

خاتمة

في حين يمكن القول أن كلًا من فرنسا وإنجلترا لديهما أطر قانونية صارمة إلى حد ما لتسهيل إجراءات التحكيم وتمكين المحكمين من إصدار أحكامهم، إلا أنه يمكن القول بأن فرنسا قد تكون لها اليد العليا؛ خاصة فيما يتعلق بدرجة أعلى من المساعدة في تنفيذ أحكام التحكيم على أراضيها. وفي نهاية المطاف، يتلخص الأمر في تحديد النظام الأنسب للأطراف. وتجدر الإشارة إلى وجود العديد من العوامل الأخرى التي تساهم في اختيار مقر التحكيم لم يتم تناولها هنا، بما في ذلك التكاليف، واختيار المحكمين، وأنواع الإجراءات المؤقتة، وما إلى ذلك. وفي الواقع، هناك أيضًا احتمالية إجراء إصلاحات مستقبلية على إجراءات التحكيم الفرنسية أو قانون التحكيم في إنجلترا ، لذلك من الأفضل إجراء عناية واجبة شاملة قبل اتخاذ أي التزامات قانونية.

المؤتمر العربي الخامس للتحكيم

يناقش المؤتمر العربي الخامس للتحكيم، تنافس مراكز التحكيم الإقليمية والدولية، انضم للمشاركين في المؤتمر واستفد من مناقشات الخبراء