صور اتفاق التحكيم

صور إتفاق التحكيم

يأخذ اتفاق التحكيم عدة صور، وهو عادة يتخذ إحدى صورتين، شرط تحكيم أو مشارطة تحكيم. والفارق الجوهري بين الصورتين يكون في التوقيت أو اللحظة التي يتم فيها الاتفاق على التحكيم، فاذا كان الاتفاق سابقا على حدوث نزاع كنا بصدد شرط تحكيم، أما إذا كان الاتفاق بشأن نزاع قائم بالفعل كنا بصدد مشارطة تحكيم. فموضوع شرط التحكيم هو المنازعات التي يحتمل نشؤها في المستقبل، في حين يتمثل موضوع مشارطة التحكيم في المنازعات القائمة فعلا، بما يعني أن إبرامها أو الاتفاق عليها يعد معاصرا إن لم يكن لاحقا لحدوث النزاع[1]. بالإضافة إلى تلك الصورتين فقد أبرز العمل صورة إضافية تسمي اتفاق التحكيم بالإحالة، وفيما يلي تفصلا للأمر.

الشكل الأول من اتفاق التحكيم : شرط التحكيم

هو الاتفاق بين أطراف علاقة قانونية معينة على تسوية ما قد ينشأ بينهم من نزاع بشأن هذه العلاقة بواسطة التحكيم؛ حيث يرد هذا الاتفاق عادة في نفس العقد الأصلي مصدر الرابطة القانونية، كما قد يرد في اتفاق لاحق قبل نشوء أي نزاع[1].

وبالتالي فان اهم ما يميز اتفاق التحكيم انه يرد على منازعات محتملة لم تنشا بعد، ومن ثم فلا يمكن تحديد موضوع النزاع في شرط التحكيم. وإذا ورد شرط التحكيم في العقد الأصلي فانه يستقل عن هذا العقد، وبالتالي من المتصور أن يبطل العقد الأصلي ويظل الشرط صحيحا، وكذلك قد يصح العقد الأصلي ويبطل الشرط الوارد به، وهذا المبدأ يسمي مبدأ استقلالية شرط التحكيم، وقد كرست معظم التشريعات الحديثة المتعلقة بالتحكيم صراحة مبدأ استقلالية اتفاق التحكيم.

[1] أ د احمد شرف الدبن، المرشد إلي قواعد التحكيم، طبعة 2017، ص37.

الشكل الثاني من اتفاق التحكيم : مشارطة التحكيم

يمكن أن يجري الاتفاق على التحكيم بين أطراف العقد بعد نشوب نزاع بينهم، ويطلق على هذا الاتفاق مشارطة التحكيم، وما يميز المشارطة أنها تتم بعد نشأه النزاع؛ ولذلك فإنه يعد من اهم شروط صحتها وجوب اشتمالها على الموضوعات التي تطرح على التحكيم بشكل دقيق وتفصيلي، حيث وان النزاع قد وقع بالفعل فيتعين علي الأطراف تحديد (المسائل التي يشملها اتفاق التحكيم والا كان الاتفاق باطلا)[i]، كما يلزم أيضا أن تكون مستقلة عن العقد كونها تالية له.

ويستوي أن تبرم مشارطة التحكيم دون أن يسبقها شرط تحكيم، ا وان تبرم مسبوقة بهذا الشرط.[ii]

وقد تختلف صياغة نماذج مشارطة التحكيم، ولكن يجب أن تتضمن في مجملها مجموعة من البيانات التي تساعد علي تعيين النزاع بشكل تفصيلي وناف للجهالة، مثل بيان اسم كل طرف، وعنوانه ووسائل الاتصال به، وطبيعة العقد الأصلي، وطبيعة النزاع القائم بينهما، وتعيين المحكمين أو تحديد الطريق المناسب لتعيينهم، والقانون الواجب التطبيق، وتحديد لغة ومقر التحكيم، وبيان ما اذا كان من حق هيئة التحكيم الأمر بالإجراءات التحفظية والوقتية، وبيان ما اذا كان من حق هيئة التحكيم الفصل في النزاع وفقا لنظام التحكيم مع التفويض بالصلح، وتحديد المدة الإجمالية التي يتعين أن يصدر خلالها حكم التحكيم، وتوقيع الأطراف، فمشارطة التحكيم تعد بمثابة خارطة الطريق التي سيسير عليها المحكم حتي تمام الفصل في الدعوي.[iii]

[i] المادة 10/2 تحكيم مصري.

[ii]د. فتحي والي، قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، 2007، ص 91 وما بعدها.

[iii] د عبد المنعم زمزم، اتفاق التحكيم الإلكتروني وهيئاته، مجلة التحكيم العربي، ص35

الشكل الثالث من اتفاق التحكيم : التحكيم بالإحالة

بالإضافة إلى صورتي اتفاق التحكيم المشار إليهما يمكن أن يتخذ هذا الاتفاق صورة ثالثة وهي اتفاق التحكيم بالإحالة، وهي الحالة التي يكون فيها شرط التحكيم غير مدرجاً بنصة في بنود العقد الأصلي، ولكنه يتضمن بندًا ينص على الإحالة إلى وثيقة أخري تتضمن شرط التحكيم، تلك الوثيقة قد تكون عقدًا نموذجياً (كعقود الفيديك FIDIC)، أو عقد أخر متصل بهذا العقد، أو لائحة مركز تحكيم محدد، أو وفقا لشروط عامة في اتفاقية معينه.

 وقد نص اغلب التشريعات العربية على اتفاق التحكيم بالإحالة، حيث نصت عليها المادة (10/3) من قانون التحكيم المصري بقولها (ويعتبر اتفاقا على التحكيم كل إحالة ترد في العقد إلى وثيقة تتضمن شرط تحكيم إذا كانت الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءا من العقد)، كذلك نصت عليه القانون الاتحادي الإماراتي رقم 6 لسنة 2018 مادة 5/3 بقولها (يجوز الاتفاق على التحكيم من خلال الإحالة التي ترد في عقد أو أي وثيقة أخرى تتضمن شرط التحكيم إذا كانت هذه الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءاً من العقد)

شروط صحة اتفاق التحكيم بالإحالة

أولا وضوح الإحالة

يشترط ليكون اتفاق التحكيم بالإحالة معتبرا أن تكون الإحالة واضحة في جعل شرط التحكيم في الوثيقة المحال إليها جزءا من العقد الأصلي، وهو ما يتحقق بتضمين العقد الأصلي بندا صريحا بالإحالة إلى شرط التحكيم في الوثيقة الأخرى، والسابقة على إبرام ذلك العقد الأصلي.

وهذه الإحالة الواضحة كافية لإثبات أن إرادة الطرفين قد اتجهت إلى اللجوء إلى التحكيم لفض المنازعات الناشئة عن العقد الأصلي، وجعل شرط التحكيم المُحال إليه جزءُا من ذلك العقد، أما إذا كانت الإحالة عامة ومجملة، وليست واضحة فلا تكون كافية.

وقد ذهبت محكمة النقض المصرية في حكمها إلي "إذا ما اتفق بين طرفي عقد النقل على الالتجاء إلى التحكيم في شان ما قد بثور من منازعات يتعين أن ينص عليه صراحة في ذلك السند ولا محل للإحالة المجهلة في أمره - بالنظر إلى خطورته- إلى مشاركة إيجاري السفينة سيما وأن الشاحن أو المرسل إليه لم يكن أيا منهما طرفا في تلك المشارطة وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر واعد بالإحالة العامة المعفاة الواردة في سند الشحن إلى كافة شروط وبنود مشارطة إيجار السفينة والتي تضمنت في البند العشرين منها الاتفاق على التحكم باعتبارها مندمجة في سند الشحن فإنه يكون قد شابه القصور في التسبيب جره إلى الخطأ في تطبيق القانون وتأويله"[i]

كما ذهبت محكمة تمييز دبي إلي "يعتبر اتفاقاً على التحكيم كل إحالة ترد في العقد الأصلي إلى الوثيقة التي تتضمن شرط التحكيم إذا كانت الإحالة واضحة وصريحة في اعتماد هذا الشرط، ولا يتحقق أثر الإحالة إلا إذا تضمنت تخصيصا لشرط التحكيم الذي تضمنته الوثيقة المحال إليها، فإذا كانت الإحالة إلى الوثيقة المذكورة مجرد إحالة عامة لنصوص هذه الوثيقة دون تخصيص لشرط التحكيم المذكور تخصيصاً يفيد على الطرفين بوروده في الوثيقة فإن الإحالة لا تمتد إليه ولا يكون التحكيم متفقاً عليه بين أطراف العقد"[ii]

[i] نقض مصري الطعن رقم 2267 لسنة 54 جلسة 13/7/1992 س 43 ع 1 ص 931 ق 194

[ii] تمييز دبي رقم الطعن 174 لسنة 2005، طعن تجاري جلسة – 19/12/2005

ثانيا أن تتضمن الوثيقة المحال إليها صراحة شرط التحكيم:

يشترط حتى يكون هناك اتفاق تحكيم صحيح ومنتج لأثرة أن تكون الوثيقة المحال إليها من قبل أطراف التعاقد الأصلي متضمنة –بصورة صريحة- شرط التحكيم، فاذا كانت تلك الإحالة إلى ما لا يمكن اعتباره شرط تحكيم، فتكون الإحالة غير كافية، كما يجب أن تكون الوثيقة المحال إليها سابقة في وجودها على العقد الأصلي؛ حيث لا يجوز الإحالة إلى وثيقة لاحقة في التاريخ على تاريخ العقد الأصلي.

ثالثا معرفة الوثيقة المحال إليها لطرفي العقد

يجب أن تكون الوثيقة المحال إليها معلومة ومعروفة للطرف الذي يتمسك في مواجهته بشرط التحكيم، أو أن تكون الوثيقة معلومة في نطاق واسع في وسط النشاط الاقتصادي، الذي ينتمي إليه الطرفان، بحيث لا يمكن الادعاء بعدم معرفتها.

وفي ذلك قضت محكمة النقض الفرنسية بان "اذا حدثت إحالة بين طرفين إلى شروط عامة في وثيقة تتضمن شرط تحكيم، وكان الطرف الذي يحتج عليه بشرط التحكيم عالما بهذه الشروط، فان سكوته يعني موافقته علي هذا الشرط"[i]

[i] نقض مدني فرنسي، 11 أكتوبر 1989، مشار إليه في د/ فتحي والي: التحكيم في المنازعات الوطنية والتجارية الدولية علما وعملا (2014)، بند 55، ص 110.

إنضم إلينا في شهادة إعداد وتأهيل المحكم المحترف 80 ساعة ⏰، واكتسب المهارات التالية:

  • مهارات صياغة اتفاق التحكيم.
  • مهارات إدارة جلسات التحكيم.
  • مهارات صياغة حكم التحكيم.
  • الإدارة الفاعلة للدفاع لقضايا التحكيم