الوساطة .. خصمان رابحان

اعداد/ المحامي وليد عثمان .رئيس الاكاديمية الدولية للوساطة والتحكيم شريك مؤسس شورى للمحاماة

طبقاً لأحدث التقارير بشأن ممارسة الأعمال Doing Business الصادرة عن مجموعة البنك الدولي World Bank، يعتبر مؤشر انفاذ العقود من أهم المؤشرات التي يقاس بها المدة التي يستغرها الأطراف لحل نزاع تجاري أمام محكمة الدرجة الأولي وتنفيذ الحكم بفرض عدم استئنافه.

وتشير الاحصائيات الدول العربية إلى الآتي:

لهذا تظهر الوساطة كوسيلة فعالة لتسوية المنازعات؛ نظرا لما تتمتع به من مميزات:

 1- المرونة، الوساطة تخرج بنا من ضيق القضاء إلى رحابة الرضاء، حيث تعتبر الوساطة الوسيلة الأكثر مرونة لتسوية المنازعات؛ باعتبارها لا تفرض حلاً علي الأطراف، وتفتح المجال لمناقشة حلول إبداعية تخدم مصالح جميع الأطراف المتنازعة، وتتجاوز عن المشاكل السابقة، وتحقق المكسب المشترك.

2- صون العلاقات، تساعد الوساطة الأطراف على الحفاظ على العلاقات، نظراً لسرية جلسات الوساطة، بالإضافة إلى أن هناك خصوصية لبعض العلاقات التي تجعل من الوساطة الوسيلة المثالية لتسوية منازعاتها مثل المنازعات التجارية والاستثمارية، منازعات التشييد والبناء، منازعات التمويل والإفلاس، المنازعات العمالية، والمنازعات الأسرية.

 3- السرعة، تستغرق جلسات الوساطة من يوم إلى ثلاث شهور على الأكثر، على عكس القضاء والتي يستمر نظر النزاع فيها إلى عشرات السنوات، حتى التحكيم أصبح يستمر نظر النزاع فيه إلى سنوات وخاصة التحكيم في منازعات الاستثمار.

3- التكلفة، تعتبر الوساطة أقل وسائل تسوية المنازعات كلفة، وهذا يرجع إلى أن الوساطة لا تستغرق وقت طويل، ويستطيع وسيط واحد القيام بالمهمة، على عكس التحكيم الذي يتطلب تكاليف مرتفعة وخاصة في منازعات الاستثمار، لتغطي اتعاب المحكمين ورسوم المركز ومصاريف الخبراء والشهود وتكاليف الانتقالات وأتعاب المحامين، وهناك بعض الجهات وشركات المحاماة التي تمول هذه التحكيمات مقابل نسبة من التعويضات المحكوم بها، وحتى القضاء أصبح مكلف بسبب الرسوم التي تفرض بنسبة على قيمة المبالغ المحكوم بها وفقا لقوانين الرسوم القضائية أو التكاليف القضائية كما هو موضع بالجدول السابق.

الاحصائيات والتقارير

كما تشير التقارير الصادرة عن غرفة التجارة الدولية بباريس ICC، ومركز تسوية منازعات المستثمرين ICSID، إلي نمو في أعداد القضايا التي تم تسويتها عن طريق الوساطة، ويؤكد خبراء تسوية المنازعات علي أن أكثر من ٨٠ ٪ من المنازعات التجارية في الولايات المتحدة الأمريكية للوساطة يتم إحالتها إلى الوساطة، وأن حوالي ٨٠ ٪ من عمليات الوساطة تنتهي بتسوية ودية ناجحة، وهو نفس الأمر أوروبا.

التشريعات الدولية والوطنية بشأن الوساطة

إدراكاً من المنظمات الدولية والدول بأهمية الوساطة ودورها الفعال في تسوية المنازعات، فقد صدر عن لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي UNICIRAL العديد من الإصدارات بشأن الوساطة؛ حيث اعتمدت قواعد الأونسيترال للتوفيق (1980)، التي تنص على مجموعة من القواعد الإجرائية الموحدة على الصعيد الدولي لتسيير إجراءات التوفيق والوساطة. وبالإضافة إلى ذلك، وفي سياق التسليم بتزايد استخدام الوساطة كوسيلة لتسوية المنازعات التجارية، وُضع أولا قانون الأونسيترال النموذجي بشأن التوفيق التجاري الدولي (2002) ثم عُدل لاحقا بقانون الأونسيترال النموذجي بشأن الوساطة التجارية الدولية واتفاقات التسوية الدولية المنبثقة من الوساطة (2018)، المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن اتفاقات التسوية الدولية المنبثقة من الوساطة، التي فُتح باب التوقيع عليها في سنغافورة في 7 آب/أغسطس 2019. وسوف تدعم الاتفاقية تعزيز استخدام الوساطة وتيسير إمكانية الوصول إلى العدالة. وفي الوقت الراهن، تعمل اللجنة على تحديث قواعد الأونسيترال للتوفيق (1980) وإعداد ملاحظات عن تنظيم إجراءات الوساطة، وقد وقع علي الاتفاقية أكثر من خمسون دولة علي رأسهم الولايات المتحدة الامريكية والصين، ومن الدول العربية السعودية وقطر والأردن، ودخلت حيز النفاذ في ١٢ سبتمبر ٢٠٢٠.

أما على مستوي التشريعات العربية، فهناك عدد من الدول العربية نظمت الوساطة في قانون خاص، مثل قانون الوساطة الأردني رقم 12 لسنة 2006، قانون الوساطة البحريني رقم 22 لسنة 2019، ومؤخراً القانون الاتحادي رقم ٦ لسنة ٢٠٢١ في شأن الوساطة لتسوية المنازعات المدنية والتجارية في دولة الامارات العربية المتحدة، والذي يضاف إلي القانون الاتحادي رقم 17 لسنة 2016 بإنشاء مراكز التوفيق والمصالحة في المنازعات المدنية والتجارية والمعدل بالقانون الاتحادي رقم 5 لسنة 2021، وهناك مشاريع قوانين في العديد من الدول العربية الأخرى منها مصر والمغرب وقطر.

كما توجد العديد من الأحكام الخاصة بالوساطة في النظم القانونية العربية ولكن في مواضع متفرقة، ففي النظام القانوني المصري يوجد أحكام للوساطة في القانون رقم ١١ لسنة ٢٠١٨ بشأن تنظيم إعادة الهيكلة والصلح الواقي من الإفلاس، وأيضاً تظهر الوساطة في قانون المحاكم الاقتصادية رقم ١٢٠ لسنة ٢٠٠٨ والمعدل بالقانون ١٤٦ لسنة ٢٠١٩، وكذلك في قانون الاستثمار المصري رقم ٧٢ لسنة ٢٠١٧، وقانون محاكم الأسرة رقم ١٠ لسنة ٢٠٠٤، وقانون العمل رقم ١٢ لسنة ٢٠٠٣.

وفي المملكة العربية السعودية أصدر وزير العدل السعودي قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته، بهدف تعزيز ثقافة التوفيق والوساطة ولتخفيف العبء على المحاكم، وتكون مهمتها السعي إلى تسوية المنازعات صلحاً، وتكسب محاضر الصلح صفة السندات التنفيذية المنصوص عليها في نظام التنفيذ السعودي، ووفقاً للقواعد الجديدة، فإنه يجوز استعانة مكاتب المصالحة بمصلحين من غير منسوبي وزارة العدل، وحددت القواعد سبعة شروط لتسجيل المصلحين الأفراد، وثلاثة لتسجيل الشخصيات الاعتبارية من القطاع الخاص غير الربحي الراغبين في المشاركة في تقديم خدمات المصالحة والوساطة.

فضلاً عن ذلك استحدثت مراكز التحكيم الدولية قواعد لتنظيم عملية الوساطة؛ حيث أصدرت غرفة التجارة الدولية في باريس ICC  قواعدها والنافذة في ١ يناير ٢٠١٤، كما أصدرت محكمة لندن للتحكيم التجاري الدولي LCIA قواعد الوساطة في ٢٠١٢، وحدثتها في أكتوبر ٢٠٢٠، في عام 2018 ، بدأ المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار العمل على استحداث مجموعة جديدة من قواعد الوساطة، في إطار جهوده نحو تحديث قواعده الإجرائية لتسوية منازعات الاستثمار، وبمجرد موافقة الدول الأعضاء ستصبح هذه القواعد أول قواعد مؤسسية مصممة لتسوية هذا النوع من المنازعات، ومكملة لقواعد التحكيم والتوفيق السارية، ويمكن استخدامها بشكل مستقل، أو بالاشتراك معها 

لإحتراف مهارات الوسيط أنضم للمشاركين في شهادة الوسيط المحترف