ماهي الوساطة وأنواعها

ما هي الوساطة

أضحت الوساطة قبلة منشودة منذ نحو عقدين في الولايات المتحدة وأوروبا، وهي تخطو حثيثا نحو اعتلاء المنزلة ذاتها في منطقتنا العربية، بعد أن انصرم نصف العقد الثاني من هذا القرن، وبعد أن ضج الناس بالشكوى من تعثر التقاضي بشكلة المعهود؛ حتي امسي من المعلوم للجميع حاجة أجهزة العدالة إلي وسيلة جديدة، تعبر بها ازمتها، لا عن طريق هجر المحاكم وتنفير الناس من طرق أبوابها، بل من خلال إتاحة الفرصة لهذه المحاكم أن يتفرغ قضاتها لنظر ما لا محيص عن إسناده اليهم، فيرفع عن كاهلهم أعباء القضايا التي يمكن تسويتها دون اللجوء اليهم، وتلك التي تمس الحاجة فيها إلي خبرات خاصة، كالقضايا التجارية، ومنازعات الاستثمار والبترول، وعقود الإنشاءات، وغيرها من المنازعات التي يكون الأطراف فيها في امس الحاجة إلي من يفهم طبيعة المجال الذي وقع فيه النزاع، قبل أن يكون بصيرا بالقانون.

وان كانت الوساطة قد لقيت في الغرب، وبوجه خاص في الولايات المتحدة، نجاحا لافتًا، فان فرصتها في البلاد العربية ستكون أوفر حظًا؛ وذلك لما تعانيه أجهزة العدالة في الوطن العربي من تأزم على نحو غير مسبوق، بجانب أن أدبيات التراث الديني المتنوع، والمتناثرة في سائر الكتب السماوية، ذات المنزلة الخاصة لدي شعوب المنطقة العربية، تزخر بدعوات صريحة إلى المسارعة إلى تصفية الخلافات، قبل أن تكون خصومات، وتسوية المنازعات قبل أن تكون صراعات، وتعد إلى مكافئة من يبادر إلى ذلك بالأجر والثواب.

وتتعدد صور الوساطة، إلا انه يوجد صورتان أساسيتان من الوساطة وهما 

انواع الوساطة

الوساطة الحارسة

هي الوساطة التي يعين فيها الوسيط الأطراف على تفهم حقيقة مواقعهم، والتبصر بمواطن قوة أو ضعف مواقفهم، ودون أن يجنح إلى تقويم هذه العناصر أو اختبار مدي تأثيرها في حسم النزاع لصالح أي منهما، أو بإعطائهم رأي حاسم بشأن الصورة التي يمكن أن تكون عليها التسوية التي يريد الأطراف التوصل إليها

فالوسيط في الوساطة الحارسة يقف طرفًا ثالثًا محايداً، يساعد الأطراف على حل مشكلتهم بأنفسهم، وابتكار مخارج للنزاع، يضعونها الأطراف أنفسهم، دون أن يشير إلى حل بعينة أو تسوية بذاتها، لكن بتسليط الضوء على حاجات كل طرف، وأولوياته، حتى يري كلاهما ما يريده من غريمه حقا، وما يمكنه النزول عنه، وما لا يمكن القبول بتركه، ويفاضل بين الخيارات، ويترك الأقل أهمية ليظفر بالمهم، ويعي في الآن ذاته أولويات الطرف الأخر، فلا يعمد إلى استهدافها، والبحث قدر المستطاع عن بدائل لها، حتى لا تصل المفاوضات إلى طريق مسدود. مثل هذا السبر العميق من كل طرف لرغبات خصمة، وأولوياته، وبؤرة اهتمامه، لا يمكن أن يتاح إلا عبر عمل دؤوب من الوسيط، يعبد فيه طريق التواصل بينهما، ويزيح من أمامهما أي حجر عثرة، قد يعترض تفاوضهما، ويعيق التقارب، والتفاهم، والتلاقي.

وعمل الوسيط هنا، توفيقي، تقريبي، أميل في طبيعته إلى حديث العقل والعاطفة منه إلى حديث العقل والمنطق. 

الوساطة المتدخلة

وفيها يضطلع الوسيط بنفسه بتحديد نقاط قوة وضعف كل طرف في الخصومة، وقياس فرص كل منهم في الحصول على حكم لصالحه، إذا ما مضي النزاع في طريقة إلى المحكمة، أو التحكيم، ولم تفلح الوساطة في حسمه. هذا التدخل ليس بالدرجة ذاتها لدي سائر الوسطاء؛ فمنهم من يكتفي بمجرد التبصرة وشرح المواقف لكل طرف، على نحو يقودهم نحو اقتراح تسوية أو قبول عرض يراه الوسيط مناسبا ومرضيا لكليهما، ومن الوسطاء من يعمد إلى ما هو ابعد، فيقترح هو التسوية، ويمضي قدما مدافعا عنها، محاولا إقناع الطرفين بجدواها لكليهما.

وهكذا يكون الوسيط في الوساطة المتدخلة أكثر مشاركة وإيجابية، في توجيه الطرفين والزج بهم نحو تسوية، وهو يقوم بذلك بطرق شتي، أكثرها ذيوعا انه يبدي رأيه، صراحة، لكل طرف في النزاع، حول التقييم القانوني لموقف كل طرف، ونقاط القوة والضعف فيه، واحتمالات خسارته للنزاع إذا ما طرح على القضاء، وتكلفة هذه الخسارة، ومقارنه ذلك كله بفكرة قبول التسوية عبر الوساطة، ومدي جدواها ونفعها على كل منهما.

وبينما يوجد هاتان الصورتان من الوساطة استنادا إلي دور الوسيط وصلاحياته، نجد أن البعض الأخر قد يصنفها إلى ثلاث صور، طبقا لدرجة تأثرها بالمعايير الاجتماعية السائدة، ومدي أثر ذلك على دور الوسيط.

أولى هذه الصور، المستوى التقليدي، وهو الذي يكون دور الوسيط فيه بالغ الضآلة، حيث يقتصر على تقديم المعونة للأطراف الإدارة نزاعهم بأنفسهم، مراعين فيها احتياجاتهم، بغض النظر عن النمط الاجتماعي السائد، أو القيم والأعراف الاجتماعية المتفق عليها. فالوسيط هنا لا يرى نفسه مسئولا، ولو على المستوى الأخلاقي، عن مدي توافق التسوية النهائية، التي يبلغها الأطراف مع العرف السائد أو القواعد المعمول بها في المجتمع، فالنتائج التي يصل إليها الأطراف هنا هي من صنع أيديهم، هم من صاغوها وارتضوها حلا لنزاعهم. مثل هذه الصورة، تكون أنسب في الحالات، التي لا يرغب فيها الأطراف في تسوية النزاع طبقا للقواعد المعتادة، كأن تكون المنازعة بين أقارب، أو ذوي جوار وصداقة، وحيث يكون الهدف من الوساطة، هو حفظ هذه الصلات، وصونها أن يخدشها تصاعد النزاع، وإعمال القواعد المعتادة على أطرافه.

الصورة الثانية، تعليمية، وفيها يقوم الوسيط بدور المرشد والمعلم، حيث يذكرهم طوال جلسات الوساطة، بالقواعد المتبعة، والعرف المنطبق، على خلاف الصورة السابقة، والتي كانت تتحقق فيها استقلالية الأطراف في إدارة نزاعهم، عبر هيمنتهم الكاملة على خياراتهم، دون حتى تذكير أو شرح من الوسيط، تبقى الهيمنة هنا أيضا للأطراف، لكن مع ظهور أوضح لدور الوسيط، الذي يوالى بسط القواعد المنطبقة على أذهان الأطراف المتفاوضين، ثم يترك لهم المجال مفتوحا ليقرروا لإرادتهم الحرة، ما اذا كانوا سينصاعون لهذه القواعد والنظم، أم سيظلون أوفياء، كأطراف الصورة السابقة، لاحتياجاتهم الشخصية، حتي وان تعارضت مع القواعد السارية، ودون أخذها في الاعتبار.

أما الصورة الأخيرة، فان الوسيط فيها فاعل مؤثر، والوسيط فيها بمثابة المدافع عن قواعد هذا النظام وأعرافه وقيمة، فلا يكتفي بتذكير الأطراف بها، بل يمضي إلى ما هو ابعد، فيقف مدافعا عن هذه القواعد، حريصا علي توافق التسوية النهائية معها، مسئولا مهنيا وأخلاقيا عن مراعاتها من جانب الأطراف على الدوام منذ بدء الوساطة، حتى اختتام إجراءاتها باتفاق التسوية.


لإحتراف مهارات فض المنازعات عن طريق الوساطة انضم للمشاركين في شهادة الوسيط المعتمد ٦٠ ساعة – ٤ مستويات . تدريب تفاعلي عن بعد