الشروط الموضوعية لصحة اتفاق التحكيم

من المعروف أن اتفاق التحكيم يعد دستوره، وأساس مشروعيته، فمنه يستمد المحكم سلطته في الفصل في النزاع، وبالتالي فإن عدم وجود اتفاق تحكيم صحيح يفضي إلى انعدام ولاية المحكم، وبالتالي انعدام حكم التحكيم، واتفاق التحكيم لا يخرج عن كونه عقدا بين طرفين، موضوعة الاتفاق على تسوية منازعاتهم بطريق التحكيم. وان كان ذلك كذلك، فان تقدير مدي صحة اتفاق التحكيم، باعتباره عقدا، يخضع للقواعد العامة في العقود من حيث شروط انعقادها، فالعقود إما أن تكون شكلية أو رضائية، والعقود الرضائية هي التي يكفي الرضا بمفرده لانعقادها، أما إذا توافر أوضاع شكلية معينة لصحة الاتفاق فانه يجب مراعاة هذه الأوضاع والا كان العقد باطلا، حيث لا يكفي الرضا بمفرده لانعقاده.


وفيما يلي الشروط الموضوعية الواجب توافرها في اتفاق التحكيم لاعتباره صحيحا:

الأهلية

يلزم لصحة اتفاق التحكيم ضرورة توافر الأهلية اللازمة لدي كل طرف؛ حيث لا يجوز الاتفاق علي التحكيم إلا للشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يملك التصرف في حقوقه، وتطبيقا لذلك لا يجوز لعديم الأهلية أو القاصر –ما لم يكن مأذون له بالإدارة-، أو للحارس القضائي علي المال المتنازع عليه إبرام اتفاق التحكيم، كذلك لا يجوز للوصي علي القاصر أن يتفق علي التحكيم بشأن مال القاصر إلا بعد الحصول علي أذن من القضاء، كما لا يجوز لمن توافرت لديه الأهلية وقت إبرام اتفاق التحكيم التمسك بانعدام الأهلية[1]، وشرط الأهلية ذهبت إليه اغلب التشريعات والأحكام القضائية، علي اختلاف السن الذي يسمح به قانون كل دولة للتعاقد، وقد ذهبت محكمة تمييز دبي إلي "ويقع حكمها باطلا إذا تخلف شرط الأهلية للالتجاء إلى التحكيم وهو ما تقضي به المحكمة عند نظرها على التصديق على هذا الحكم الباطل طبقا للمادة (216) "1" "ج" من قانون الإجراءات المدنية"[2].

ويلاحظ انه اذا كان اتفاق التحكيم مبرما بواسطة وكيل، فيجب أن تكون الوكالة خاصة، فلا تكفي الوكالة العامة أو وكالة المحامي في مباشرة القضايا، وهو الأمر الذي استقرت عليه اغلب الأحكام والتشريعات العربية؛ حيث تنص المادة 702/1 من القانون المدني المصري علي انه "لابد من وكالة خاصة في كل عمل ليس من أعمال الإدارة، وبوجه خاص في البيع والرهن والتبرعات والصلح والإقرار  والتحكيم..."، كما نصت محكمة تمييز الكويت في حكمها علي "من المقرر أنه، وإذ كان المحكم يستمد ولايته من اتفاق الخصوم على تحكيمه، فإن لازم ذلك أن إذا كان الاتفاق على التحكيم تضمنه عقد أبرمه شخص بصفته نائبا عن آخر، أن تكون نيابته عنه تخوله صفة في تمثيل الأصيل في قبول شرط التحكيم، وقد أوجبت المادة (۷۰۲) من القانون المدني صور وكالة خاصة بقبول التحكيم بوصفه تصرفا، وليس من أعمال الإدارة، ولا تكفي في تلك الوكالة العامة، إذ أنها لا تخول الوكيل الصفة، إلا في أعمال الإدارة، وذلك لأن الاتفاق على التحكيم يعني التنازل عن رفع الدعوى إلى ساحة الفضاء"[3].

وبالنسبة إلى الأشخاص الاعتبارية فإنه من المسلم به انه يجوز للشخص الاعتباري أن يبرم اتفاق تحكيم إذا كان مما يقتضيه الغرض من إنشائه ومزاولته لنشاطه. ويتولى إبرام اتفاق التحكيم في هذه الحالة الممثل القانوني للشخص الاعتباري في حدود صلاحياته المبينة في النظام الأساسي، أو في قرار إنشاءه. وتثور مسألة مدي صلاحية شخص معين للتوقيع على اتفاق التحكيم نيابة عن الشخص الاعتباري الذي يمثله، وذلك بالنسبة للشركات والدول والأشخاص الاعتبارية العامة.

بالنسبة للشركات فانه من المقرر أن الممثل القانوني للشركة، أيا كان شكلها، يملك إبرام اتفاق التحكيم بموجب سلطته في إجراء كافة التصرفات التي يقتضيها مزاولة الشركة لنشاطها. " لمدير الشركة ذات المسئولية المحدودة السلطة الكاملة في إدارتها وهي تشمل أهليته في الاتفاق على التحكيم"[4]

وفي حالة تصفية الشركة فانه يدخل في سلطة المصفى إبرام اتفاق تحكيم بالنسبة للعقود التي تستلزمها أعمال التصفية[5]

أما بالنسبة لصلاحية الأشخاص الاعتبارية العامة لإبرام اتفاق التحكيم في العقود الإدارية التي تبرمها، فقد أثارت هذه المسألة خلافا في الفقه والقضاء، ولكنها تخضع –وفقا لنظرية السيادة – للقوانين السارية في كل دولة، ففي مصر تدخل المشرع المصري علي إثر ذلك بتعديل المادة الأولي من قانون التحكيم محددا السلطة المختصة بالموافقة على اتفاق التحكيم، حيث جعلها للوزير المختص أو من يتولى اختصاصه[6].

[1] نقض مدني مصري، طعن رقم 73 بتاريخ 18 نوفمبر 1948

[2] تمييز دبي رقم الطعن ۱۹۱ لسنة ۲۰۰۹، طعن مدني جلسة13/9/2009

[3] تمييز كويتي، الطعن 1243 لسنة ۲۰۰۸ تجاري جلسة 20/4/2010، مشار إليه في مجلة التحكيم العالمية، العدد السابع والعشرون، يوليو 2015

[4] تمييز دبي رقم الطعن 46۲ لسنة ۲۰۰۲، طعن حقوق جلسة – 2 مارس 2003

[5] م (145/3) قانون 159 لسنة 1981.

[6] قانون التحكيم المصري، مادة 1/2

الرضا

يتم العقد بمجرد أن يتبادل طرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين[1]، ويشترط في التعبير عن الإرادة أن يكون صادرا من الشخص عن تراض واختيار حر صريح، يقطع برغبته في اللجوء إلي التحكيم، دون أن يشوبه أي عيب من عيوب الإرادة كالغلط والتدليس أو الإكراه أو الاستغلال والا جاز إبطاله. ويلزم تطابق رضا المتعاقدين، ويتحقق هذا التطابق إذا كان محل القبول الصادر من القابل هو ذاته محل الإيجاب الصادر من الموجب، وهو في الحالتين تسوية النزاع القائم بينهما أو المحتمل قيامه بطريق التحكيم، ويصح التعبير عن الإرادة باي طريقة، فقد "يكون باللفظ وبالكتابة وبالإشارة المتبادلة عرفا. كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكا في دلالته على حقيقة المقصود"[2]

[1] المادة 89 من القانون المدني المصري.

[2] المادة 90/1 من القانون المدني المصري.

صلاحية الحق المتنازع فيه للتحكيم (محل اتفاق التحكيم)

تخضع صلاحية المنازعات للتحكيم فيها لعدة قواعد يتعلق معظمها بموضوع النزاع، ومدي اتصاله بالنظام العام. فاذا كان محل الالتزام مستحيلا في ذاته كان العقد باطلا، وإذا كان الالتزام مخالفا للنظام العام أو الآداب كان العقد باطلا، وهكذا يشترط في محل اتفاق التحكيم أن يكون ممكنا، وليس مستحيلا يتعذر تحققه. والا يكون مخالفا للنظام العام.

وبناء على ذلك يجب أن يكون محل الاتفاق قابلا للتسوية بطريق التحكيم، وهو يكون كذلك متي كانت المسائل محل التحكيم قابلة للصلح، فلا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، وهذا ما ذهبت إليه اغلب التشريعات العربية[1]، ولهذا لا يجوز التحكيم في المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية كحق الزوج في الطلاق، أو حق الزوجة في النفقة، أو حق الولد في نسبة الشرعي، كما لا يجوز التحكيم في المسائل الجنائية، ولكن يمكن التحكيم استثناء في المسائل المالية التي تترتب علي الحالة الشخصية أو التي تنشأ عن ارتكاب احدي الجرائم، ومن ناحية أخري فان المسائل التي تتعلق بالنظام العام مثل تلك التي يعتبر اختصاص محاكم الدولة بالنسبة لها اختصاصا حاجزا مثل: التصرف في ملكية الأراضي الصحراوية، وصحة ونفاذ التعاقد على حقوق عينية عقارية، وفي ذلك قضت محكمة استئناف القاهرة بانه "يشترط في الاتفاق على اللجوء إلى التحكيم أن يكون سببه مشروعا والا كان باطلا، ويكون السبب غير مشروع إذا انطوي على إحدى حالات الغش نحو القانون، كما لو كان اللجوء إلي التحكيم بقصد التهرب من تطبيق أحكام القانون الآمرة فيما لو طرح النزاع علي القضاء أو الإفلات من العلانية وضمانات إعلان الخصوم التي توفرها إجراءات التقاضي أمام المحاكم، أو الاحتيال علي الإجراءات الواجبة لأثبات ملكية العقارات أو التصرف فيها بطريق التواطؤ بغية الاعتداء علي ملكية الغير خفية وابتزاز أو التحايل علي إجراءات تسجيل التصرفات العقارية والرسوم المقررة"[2]

كما ذهبت محكمة تمييز الكويت إلى عدم جواز التحكيم في حقوق المؤلف المالية دون الأدبية "...لما كان ذلك، وكانت الشركة الطاعنة قد أقامت دعواها استناداً إلى قيام الشركة المطعون ضدها باستخدام البرامج المملوكة للشركة الطاعنة وترويجها بالأسواق لصالحها دون الشركة الطاعنة ومن ثم تندرج تلك الأفعال ضمن الاعتداء على الحقوق المالية للشركة الطاعنة والتي لا تتعلق بالنظام العام ويجوز الصلح بشأنها بما يجوز معه أن تكون محلا لاتفاق التحكيم ويضحى الدفع المبدئ من الشركة الطاعنة لا أساس له وبالتالي فلا على الحكم المطعون فيه إن التفت عنه ويكون النعي عليه على غير أساس"[3].

[1] م 11 من قانون التحكيم المصري، م 203/4 إجراءات مدنية إماراتي، م 173 مرافعات كويتي، 2/7 تحكيم قطري.

[2] استئناف القاهرة، الدائرة 91 تجاري، دعوي رقم 118 ق تحكيم، 25 سبتمبر 2005.

[3] تمييز كويتي، طعن رقم 1664 لسنة ۲۰۱۰ تجاري – جلسة 27 مارس 2012

السبب

لا يخفي إن سبب لجوء الأطراف إلى التحكيم هو الاستفادة من مزاياه المتعلقة بالسرعة والتحرر من الإجراءات الشكلية البغيضة التي يفرضها النظام. وإذا كان هذا السبب معلوما للجميع علم اليقين، فانه لا يلزم ذكره صراحة كبند في اتفاق التحكيم؛ علي اعتبار أن "كل التزام لم يذكر له سبب في العقد يفترض أن له سببا مشروعا، ما لم يقم الدليل علي غير ذلك"[1]، فالأصل انه لكل اتفاق سبب مشروع، ولو لم يرد في العقد.

[1] المادة 137/1 من القانون المدني المصري

شهادة المحكم المحترف

إنضم إلينا في شهادة إعداد وتأهيل المحكم المحترف 80 ساعة ⏰، واكتسب المهارات التالية:

  • مهارات صياغة اتفاق التحكيم.
  • مهارات إدارة جلسات التحكيم.
  • مهارات صياغة حكم التحكيم.
  • الإدارة الفاعلة للدفاع لقضايا التحكيم