أهمية صياغة اتفاق التحكيم بشكل صحيح

تخضع تقدير مدي صحة اتفاق التحكيم، باعتباره عقدا، للقواعد العامة في العقود من حيث شروط انعقادها، بالإضافة إلى ذلك يلزم توافر عدة شروط خاصة مستمدة من طبيعة التحكيم، وبجانب الشروط الخاصة لاتفاق التحكيم مثل الأهلية، وصلاحية الحق المتنازع فيه للتحكيم (محل اتفاق التحكيم)، هناك أيضا شرط خاص بصياغة اتفاق التحكيم نفسه، وهو شرط الكتابة؛ حيث تعد الكتابة شرطا لانعقاد اتفاق التحكيم، فالاتفاق لا يوجد قانونا إلا إذا كان مكتوبا، بمعني إن عدم كتابة اتفاق التحكيم يؤدي إلى بطلانه.

طبيعة شرط الكتابة

نصت المادة 7/2 من القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي (الأونسيترال UNCITRAL) على أن "يتعين أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا"، كما تنص المادة 12 من قانون التحكيم المصري علي أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا، والا كان باطلا، وبهذا يكون القانون قد جعل شرط الكتابة شرطا لانعقاد اتفاق التحكيم، ويكون اتفاق التحكيم اتفاقا شكليا لا ينعقد إلا بالكتابة، ومن ثم لا يجوز أثبات انعقاده بغيرها ولو بالإقرار أو باليمين.

كما حددت ذات المادة سالفة الزكر المقصود بكتابة اتفاق التحكيم بانه: يكون اتفاق التحكيم مكتوبا إذا تضمنه محرر وقعة الطرفان، أو إذا تضمنه ما تبادله الطرفان من رسائل أو برقيات أو غيرها من وسائل الاتصال المكتوبة.

ويقصد بالمحرر الموقع من الطرفين أي اتفاق مكتوب وموقع عليه من الأطراف دون تخصيص للصورة التي يكون مكتوبا عليها. فيمكن الاستناد في وجود الاتفاق المكتوب إلي محضر يدونه المحكم، ويوقع عليه الطرفان معه، بل يجوز اتفاق الطرفين على التحكيم أمام المحكمة، وتدوين هذا الاتفاق في محضر الجلسة تحت أشراف القاضي، وبناء على تعليماته، وهو ما يعطي للاتفاق الصفة الرسمية، وكأن الطرفين وقعا عليه.

ويعتبر اتفاق التحكيم مكتوبا وموقعا عليه إذا تم اتفاق الأطراف على إخضاع العلاقة القانونية بينهم لأحكام عقد نموذجي أو اتفاقية دولية، أو وثيقة أخري تتضمن شرط التحكيم، وهو ما يؤكد انصراف إرادتهم إلى التحكيم عند إبرام العقد الأصلي المتضمن للإحالة، وهذا ما ذهبت إليه محكمة النقض المصرية في حكمها حيث قضت بان " بأن الاتفاق علي التحكيم يتم بتوقيع الطرف علي الانضمام للجمعية (الطرف الأخر) واطلاعه علي نظامها الداخلي والتزامه به اذا كان هذا النظام ينص علي إن التوقيع عليه يتضمن تراضي الطالب مع الجمعية علي الالتجاء إلي التحكيم في جميع المنازعات التي تنشا بينهما بسبب العضوية"[1]

كما بقصد بالتوقيع بانه "الكتابة المخطوطة بيد من تصدر منه"[2] أو هو "كل علامة يعبر بمقتضاها شخص ما علي انه قد ارتضي مضمون الورقة والتزم به"[3] والتوقيع ليس فقط علامة أو إشارة تميز هوية شخص الموقع وإنما هو أيضا تعبير عن إرادة المتصرف وإقراره لمحتوي التصرف وموافقته عليه.

اتفاق التحكيم عبر وسائل الاتصال المكتوبة

أجاز القانون المصري وجود شرط التحكيم في شكل رسائل أو برقيات بل انه جعلها تشمل أي وسيلة من وسائل الاتصال المكتوبة طالما إنها تعبر تعبيرا صريحا عن إرادة الطرفين لاعتماد التحكيم كوسيلة لفض منازعاتهم، ولو لم تكن موقعة من الطرفين، ولكن بشرط أن تتضمن المراسلات إيجابا بالتحكيم من طرف، وقبولا من الطرف الأخر بما يفيد تبادل للإرادتين، وعلي هذا فان الرسالة أو البرقية المتضمنة عرضا من احد الطرفين لاتخاذ التحكيم وسيلة لتسوية المنازعات بمناسبة عقد يجري التفاوض لإبرامه، يجب أن يقابلها رد صريح من المرسل إليه يفيد قبوله للتحكيم، علي أن يتصل هذا الرد بعلم الطرف الأول صاحب العرض، وهذا ما ذهب إليه المجلس الأعلى المغربي حيث قضي بان " الاتفاق علي التحكيم هو استثناء يؤول بشكل ضيق ولا يمكن اللجوء إلي التحكيم، إلا اذا كان هناك اتفاق صريح علي التحكيم، أو خطابات متبادلة تتضمن الموافقة الصريحة علي التحكيم"[1]

حكم الكتابة الإلكترونية المستخدمة في تحرير اتفاق التحكيم

اشترطت -اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها- من أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا، وقد فسر هذا الشرط في ضوء قانون اليونسترال النموذجي للتحكيم، بحيث يتحقق شرط الكتابة باي وسيلة تستخدم في تحرير اتفاق التحكيم متي كانت توفر تسجيلا أو تدوينا لمضمون وتتيح استرجاعه وقت الحاجة.

وفي هذا السياق أيضا أصدرت لجنة اليونسترال توصية بشأن نص اتفاقية نيويورك، ومفادها أن حالات اعتبار اتفاق التحكيم مكتوبا الوارد في هذا النص ليست واردة على سبيل الحصر مما يمكن الإضافة إليها مما تفرزه الممارسات التعاقدية[1]

وكان اتفاق التحكيم الإلكتروني قد أثار التخوف في بداية الأمر، فاشترط البعض، وجوب وجود توقيع إلكتروني موثوق به للاعتداد بشرط التحكيم، وذلك على غرار قانون الأونسيترال النموذجي للتوقيعات الإلكترونية، والحقيقة، ونظرا لانتشار تطبيقات التجارة الإلكترونية واستخدامها في إدارة عملية التحكيم، فلم تعد هناك خشية من استخدام وقبول المحررات الإلكترونية، سواء من ناحية الحجية للمحرر أو الحجية للتوقيع عليه. ولهذا نصت معظم التشريعات علي اعتماد التوقيع الإلكتروني.

ويأخذ اتفاق التحكيم الإلكتروني أحكام اتفاق التحكيم التقليدي، فقد يكون قبل قيام النزاع كبند من بنود العقد، وقد يكون بعد قيام النزاع في اتفاق لاحق "مشارطة إلكترونية".[2]

واشتراط الكتابة لانعقاد اتفاق التحكيم يعتبر لزاما أيضا لصحة أي تعديل لاحق لأي بند في اتفاق التحكيم، فأي تعديل فيه سواء لمحل النزاع أو لمدة التحكيم أو سلطة المحكمين أو للإجراءات واجبة الاتباع أو للقانون الواجب التطبيق على الإجراءات أو على موضوع النزاع يجب أن يتم بالكتابة، كما يسري الحكم نفسه بالنسبة لشرط التحكيم في العقود محدده المدة عند كل مرة يجدد فيها العقد، وهذا ما ذهبت إليه محكمة النقض حيث قضت بان "في العقود محدده المدة يجب أن يكون شرط التحكيم مكتوبا في كل مرة يجدد العقد، لأنه لا يعتد بالاتفاق غير المكتوب في عقد ما، ولو كان متكررا في عقود أخري، سابقة بين الأطراف انفسهم. وسبب ذلك أن الاتفاق على التحكيم – باعتباره استثناء على أصل الخضوع لقضاء الدولة- يجب أن يفسر تفسيرا ضيقا، ومن وسائل ذلك التحقق من أن إرادة الأطراف قد انصرفت إلى أعماله صراحة في شأن المنازعات التي تنشا عن العقد ذاته"[3]

ويلزم أن تجري الكتابة بطريقة واضحة، بحيث يستطيع الشخص العادي أن يقرأها، والا فان اتفاق التحكيم يكون باطلا، وهذا ما ذهبت إليه محكمة تمييز دبي في حكمها القائل "من المقرر في قضاء هذه المحكمة انه متي كان شرط التحكيم الوارد بسند الشحن غير مقروء وغير مطبوع بخط دقيق بطريقة تعجز الشخص العادي عن قراءته فانه يتعين إبطاله وعدم الالتزام به، ولا يغير من ذلك كون المتعاقدتان شركتين تعملان في مجال النقل البحري وانه يفترض علمهما بوجود شرط التحكيم بحكم تعاملهما في سندات الشحن، ذلك إن المعيار في هذا الشأن ليس معيارا شخصيا بل هو معيار موضوعي"[4]

ولم يستلزم القانون في الاتفاق التحكيم أن يكون المحرر مكتوبا بشكل معين، فيجوز أن يكون مكتوبا كتابه رسمية وقد تكون كتابة عرفية؛ إذ يجوز الاتفاق على التحكيم وكتابته باي طريقة كانت، وباي نوع طالما أن الاتفاق موقع من قبل أطرافه، وهذا ما ذهبت إليه محكمة تمييز البحرين، حيث قضت بانه "لا يثبت الاتفاق علي التحكيم إلا بالكتابة في محرر رسمي يتولاه الموظف المختص وفقا للأوضاع المقررة فيقوم حجة علي الكافة، أو في محرر عرفي موقع من الخصوم جميعا، فيقوم حجة عليهم جميعا"[5]

أهمية شرط الكتابة

يؤدي الشكل الكتابي لاتفاق التحكيم عده وظائف أولها: إثبات اتفاق التحكيم ذاته، وهو ما يمنع من نشوء منازعات فرعية حول وجود أو مضمون هذا الاتفاق.

ثانيا: التأكيد على نية الأطراف المتعاقدة لاتخاذ التحكيم وسيلة لحسم منازعاتهم، بدلا من اللجوء إلى القضاء للفصل في النزاع.

ثالثا: تحذير الأطراف المتعاقدة إلى خطورة أثار اللجوء إلى التحكيم، فالكتابة تنبههم إلى أثار ما قد يترتب عليه من تنازلهم عن اللجوء إلى المحاكم، واتخاذ التحكيم كوسيلة لحل النزاع، كما إن الكتابة تمكنهم من التروي في تقييم النتائج التي ستترتب عليه، خاصة إذا كان التحكيم مع التفويض بالصلح.

أثر تخلف شرط كتابة اتفاق التحكيم:

اعتبر القانون الكتابة شرطا شكليا لانعقاد اتفاق التحكيم، فان لم يكن مكتوبا كان باطلا، وبهذا أصبحت الكتابة ركنا من أركان اتفاق التحكيم، ولم تعد فحسب مجرد شرط لإثبات اتفاق التحكيم، ومن ثم فلا نكون أمام اتفاق تحكيم صحيح إذا كان غير مكتوب، ولا يجوز إثبات انعقاده ولو بالإقرار أو باليمين.[1]

لإكتساب مهارات صياغة اتفاق التحكيم وكشف تغراته أنضم للمشاركين في شهادة المحكم الحترف

المصادر

  • د. فتحي والي: قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، 2007، منشأة المعارف، ص161
  • نقض مدني مصري، طعن رقم 74 لسنة 67 ق، جلسة 28 ديسمبر 2009.
  • نقض مدني مصري، الطعن رقم 2527 لسنه 44ق، جلسة 31 يناير 1978.
  • نقض مدني مصري، الطعن رقم 664 لسنه 47ق، جلسة 28 يناير 1982.
  • المجلس الأعلى المغربي، قرار عدد 291 تجاري، جلسة 7 مارس 2007.
  • احمد شرف الدين، اتفاق التحكيم، ص106 وما بعدها.
  • احمد شرف الدين، المرشد إلي قواعد التحكيم، ص79.
  • نقض مدني مصري، الطعن رقم 86 لسنة 70ق، جلسة 26 نوفمبر 2002.
  • محكمة تمييز دبي، الطعن رقم 87 لسنة 2003، جلسة 10 مايو 2003
  • البحرين محكمة التمييز، الطعن رقم 332/2008، جلسة 20 مايو 2009.