مهارات تحليل النصوص القانونية

تحتل مهارة التحليل في المجال القانوني أهمية بالغة؛ فهي تعد مهارة لا غنى عنها للطالب أو الباحث القانوني؛ حيث تمكن مهارة تحليل النصوص القانونية رجل القانون من إدراك قصد المشرِع على نحو صحيح بل وربما تصويب ما قد يقع فيه هذا الأخير من أخطاء.

وقد يخلط البعض بين مصطلحي التحليل القانوني والتعليق على النص القانوني، على الرغم من اختلاف كلاهما؛ فيقصد بتحليل النص تفكيكه وتجزئته إلى العناصر الأساسية التي يتألف منها ومن ثم بيان أجزائه ومكوناته، في حين ينصرف معنى التعليق على النص القانوني إلى محاولة تفسير وتوضيح موضوع النص بقدر من الحرية وبالأسلوب الذاتي لمقدم التعليق، لذا فتحليل النص والتعليق عليه كلاهما وسيلة لدارسة النص القانوني، غير أن التحليل يمثل الصورة التي تعكس حالة النص كما هو، أما التعليق فإنه يعد بمثابة الصورة الطليقة التي تعكس راي المعلق على النص.

وترتكز مهارة التحليل القانوني (تحليل نص المادة) على مرحلتين أساسيتين تُعرفان بالمراحل التحضيرية وتنقسم إلى مرحلة التعرف على النص شكلا وموضوعا.

تعد المراحل التحضيرية أو مرحلة التعرف على النص مقدمة عملية تحليل النص القانوني؛ وفيها يتم تناول التحليل من جانبين أحدهما شكلي والآخر موضوعي على النحو الآتي:

أولا التحليل الشكلي

يقصد بالتحليل الشكلي أن يشير المعلق إلى كل العناصر التعريفية التي من شأنها تحديد الهوية الشكلية للنص القانوني؛ ومنها هوية النص، وبنيته، وغايته.

فيتعين على القانوني تحديد هوية النص، من خلال بيان مكانة النص في الهرم للتشريعي؛ فيما إذا كان نصا من الدستور، أو نصا من معاهدة دولية، أو من قانون أو لائحة.. الخ.

كما ينبغي أيضا بيان تاريخ صدور النص، وتاريخ سريانه، وما لحقه من تعديلات، وإن كان للنص ظروف استثنائية كانت سببا في صدوره كالقوانين التي تصدر لمواجهة ظرف معين وجب الإشارة إليها. فضلا عن تحديد موقعه (رقم المادة، رقم القسم، رقم الفصل، رقم الكتاب).

كما يتعين على القانوني تنظير بنية النص سواء المطبعية أو اللغوية؛ فأما الأولى فتتجلى من خلال عدد الفقرات التي تضمنها النص محل التحليل، مع بيان من أين تبدأ وتنتهي كل فقرة. وأما الثانية فتظهر من خلال كيفية الصياغة والأسلوب المعتمد والمصطلحات المستخدمة.

ثانيا التحليل الموضوعي (تحليل مضمون النص)

وفيه يقوم القانوني بتحليل محتوى أو مضمون النص، والمقصود من ذلك هو التوصل إلى معرفة روح النص نفسه أي ما يرمي النص إلى تحقيقه، ويكون ذلك بإبراز القاعدة القانونية من ثنايا النص نفسه. ويكون ذلك من خلال القراءة العميقة المتأنية مع وضع خطوطا تحت الكلمات التي تعد معبرة عن القاعدة القانونية التي يوجب النص الالتزام بها، وبعدها يتم تعيين الحكم أو الأثر المقرر لها، الذي يمثل الحل القانوني المترتب لهذه القاعدة.

وعليه فإن تحليل مضمون النص القانوني يؤدي إلى معرفة الحكم الذي يقرره النص في حق وقائع معينة إذا توافرت شروط محددة. كالحكم بالإبطال أو الفسخ بالنسبة للتصرفات المدنية بطبيعتها، أو الحبس بالنسبة للأفعال ذات الطبيعة الجنائية. وقد يكون محل النص تعريفا كأن يعرف البيع أو الشركة مثلا؛ بحيث أن توافر عناصر ذلك التعريف في تصرف ما تجعل منه بيعا أو شركة ... ونحو ذلك، وأهم ما في هذه المرحلة الوصول إلى تحديد الإشكالية وخطة المناقشة.

 تحديد الإشكالية

الإشكالية هي نقطة الارتكاز الأساسية لأي بحث وفيها تتضح معالم المشكلة ومنها يعرف القارئ ماذا يأمل الباحث من بحثه، والبحث الذي يخلو من الإشكالية هو بحث غير جدير بصفة العلمية لأن نقطة الارتكاز الأساسية التي يدور حولها أي بحث علمي هي مشكلة أو تساؤل يتطلب حلا أو جوابا. وطرح الإشكالية على شكل سؤال يعني أن جواب السؤال هو غاية البحث، لذلك تساعد الصياغة في تحديد الهدف الرئيسي للبحث.

وعلى الطالب التأني في استعراض ألفاظ وعبارات الموضوع المطروح، من أجل حصر الإشكالية العلمية التي يتبلور حولها الموضوع. عدا عن أن تحديد السؤال الرئيسي مهم جدا للباحث فهو يحفظه من الضياع نتيجة ظهور آفاق جديدة.

وقد رأينا أن النص ليس معصوما من الخطأ والغموض والنقص وتعارض الأحكام - سواء في نفس التشريع أو بين تشريعين مختلفين، وكلما كان الطالب أو الباحث قادرا على إدراك ذلك استنادا لتحليل المضمون والمعلومات القبلية حول الموضوع؛ أو ما تم جمعه من المصادر فيه. كلما كان أقرب للوقوف على الإشكالية التي يثيرها النص المراد تناوله بالتحليل.

خطة المناقشة

يقتضي وضع الخطة ولو المبدئية وجود تصور عام للموضوع والإحاطة بمجموعة الأفكار الرئيسية المتعلقة بهذا الموضوع وذلك استنادا على القراءة الأولية للمعلومات المحصلة، والتي ساعدت في استعراض الإشكالية أو الفكرة المحورية للنص.

وبذلك يتمكن الباحث من وضع خطة أولية كإطار لتقسيم مشتملات المسائل الداخلية في الموضوع المطلوب، ويشترط أن تكون الخطة خادمة للإشكالية المطلوبة أو المحورية للنص، ويترتب على ذلك ضرورة الربط بين إشكالية البحث وتقسيماته الرئيسة، ودون التطرق بالضرورة إلى جميع المسائل التي يتناولها، أي دون الدخول في تفاصيل الموضوع.

ولكن من أجل التوصل إلى التقسيم الرئيسي للموضوع لابد من تحديد المشتملات الأساسية للبحث، ويكون ذلك من خلال طرح مختلف التساؤلات التي يثيرها الموضوع محل الدارسة، وتمثل هذه التساؤلات العمود الفقري لخطة البحث.

هذا ويتفرع كل قسم رئيسي إلى تقسيمات فرعية وهذا بحسب ما تقتديه طبيعة الموضوع، ونوعية الخطة المعتمدة في ذلك. والباحث هو سيد الموقف في اختيار الخطة الملائمة لموضوع البحث، ولكن يجب أن تكون مؤسسة على منهجية مقصودة للوصول إلى مسعى معين. وعادة إذا كان تحليل نص المادة القانونية عبارة عن بحث معد للنشر في إحدى المجلات العلمية المحَكَّمة يكون التقسيم واسعا من مبحثين مثلا.

ويعتبر تحقيق التوازن بين مختلف تقسيمات البحث دليلا على قدرة الباحث على طرح مجموعة المسائل التي يقتضيها تناول إشكالية البحث، وباعتبار إعداد خطة البحث تمثل جانبا هاما للقدرة الإبداعية للباحث، يصبح منطقيا أن مدى توفر التوازن النسبي بين أقسام البحث يكون ضابطا لتقييم البحث من بين ضوابط أخرى بطبيعة الحال.

ولكن لا يشترط اتباع تقسيم معين لأن ذلك مرده الأفكار الرئيسية التي يتضمنها الموضوع، وأيضا بالنسبة للتقسيمات الفرعية، ولكن ينبغي دائما الالتزام بالتواصل المنهجي للتقسيم. ويتحقق ذلك من خلال عنونة كل قسم من أقسام البحث، ومن هنا تأتي أهمية العناوين الجزئية وارتباطها بالإشكالية أو الفكرة المحورية للموضوع باعتبارها العنوان الرئيسي للبحث، ومدخل لمعالجة موضوع البحث.

ويجب أن يكون العنوان الرئيسي دالا على مشتملات الجزء الذي يتسمى به وهذا يفضي بالضرورة إلى أن يصبح العنوان الرئيسي الجزء الأكثر عمومية من عناوين فرعية، فتتواصل عناوين خطة البحث من العمومية إلى الخصوصية.

وهكذا يجب أن تكون هناك صلة عضوية بين العناوين الفرعية للجزء الواحد، وبينها جميعا وبين العنوان الرئيسي للجزء الذي يجمع بينها من جهة، وبين عناوين الأجزاء والعنوان العام للبحث من جهة أخرى، وبهذا يتوصل الباحث إلى وضع خطة أولية والتي تمثل التقسيم الأساسي للبحث، ثم الانتقال إلى المرحلة الموالية

لإكتساب المزيد من مهارات تحيل النصوص ومبادئ الصياغة القانونونية الصحيحة أنضم للمشاركين في شهادة المهارات القانونية العملية