هل يكفي الإفصاح المتأخر لإثارة الشك في استقلال المحكم؟ استئناف باريس تجيب
2026/09/26

هل يكفي الإفصاح المتأخر لإثارة الشك في استقلال المحكم؟ استئناف باريس تجيب

بتاريخ 31 أغسطس 2026، أصدرت محكمة استئناف باريس حكمها في دعوى بطلان أقامتها شركة أوريكو ضد شركة نوكيا نتوركس فرنسا، ألكاتيل لوسنت سابقًا، طعنًا على حكم تحكيم صادر عن غرفة التجارة الدولية. وتمثلت الإشكالية القانونية في مدى تأثر استقلال المحكم بتوليه، قبيل صدور الحكم، مهمة الدفاع عن جهة ترتبط بالسياق العام للنزاع دون أن تكون طرفًا فيه، ومدى كفاية توقيت الإفصاح عن هذه المهمة لإثارة شكوك مشروعة حول حياده.

أولًا: الوقائع

أبرمت الشركتان عام 2015 عقدًا لتوريد معدات اتصالات إلى إيران ضمن مشروع EPEG للألياف الضوئية. وبعد إنهاء ألكاتيل لوسنت العقد، لجأت أوريكو إلى التحكيم أمام غرفة التجارة الدولية، مدعيةً تواطؤ الشركة الأخرى مع مسؤولين إيرانيين لإقصائها من المشروع. ورفضت هيئة التحكيم طلباتها بحكم نهائي صدر في 2 أغسطس 2024.

وأثناء إعداد الحكم، تلقى أحد المحكمين في 3 يونيو 2024 اتصالًا بشأن تمثيل شركة النفط الوطنية الإيرانية NIOC في تحكيم منفصل، ثم كُلف رسميًا بالمهمة في 11 يوليو 2024. وكان مشروع الحكم قد أُرسل إلى محكمة غرفة التجارة الدولية في 28 يونيو 2024، أي قبل التكليف الرسمي، وأفصح المحكم عن مهمته الجديدة في 1 أغسطس 2024، قبل صدور الحكم بيوم واحد.

طلبت أوريكو إبطال الحكم استنادًا إلى المادة 1520، الفقرة الثانية، من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي، بدعوى افتقار المحكم إلى الاستقلال؛ لتمثيله شركة إيرانية حكومية مرتبطة بالوقائع محل التحكيم.

واستندت كذلك إلى سبق قبول طلب رد رئيس هيئة تحكيم أخرى في النزاع المتعلق بشركة النفط الوطنية الإيرانية، فضلًا عن قرب توقيت الإفصاح من تاريخ صدور الحكم.

ثانياً: قضاء المحكمة وأسبابه

رفضت المحكمة سبب البطلان القائم على افتقار المحكم إلى الاستقلال، لعدم ثبوت وجود علاقة أو وحدة مصالح من شأنها إثارة شكوك مشروعة حول حياده.

فقد قررت المحكمة أن مجرد ارتباط المهمة الجديدة بالسياق الإيراني أو بموضوع قريب من النزاع لا يكفي لإثارة شكوك مشروعة حول استقلال المحكّم، ما لم تثبت أوريكو وجود مصالح متطابقة أو متقاربة بين شركة النفط الوطنية الإيرانية وأحد طرفي التحكيم.

ورأت أن الادعاءات المتعلقة بفساد مسؤولين إيرانيين، أو تسرب بعض المعلومات إلى التحكيم الآخر، لا تثبت وجود وحدة مصالح بين شركة النفط الوطنية الإيرانية ونوكيا نتوركس فرنسا، لا سيما أن أي جهة إيرانية عامة لم تكن طرفًا في التحكيم محل دعوى البطلان.

كما ميزت المحكمة بين الواقعة المعروضة وحالة الرد السابقة؛ إذ تعلقت الأخيرة بعلاقة مباشرة كان فيها مكتب المحكم مشاركًا في تمثيل أوريكو ضد شركة النفط الوطنية الإيرانية، بينما اقتصرت العلاقة في النزاع الحالي على تمثيل جهة مرتبطة بصورة غير مباشرة بوقائع القضية.

وبشأن توقيت الإفصاح، اعتبرت المحكمة أنه تم بعد التكليف بالمهمة الجديدة، وأن مشروع الحكم كان قد أُرسل إلى محكمة غرفة التجارة الدولية قبل نشوء هذه المهمة، بما ينفي أن يكون توقيت الإفصاح قد استهدف تفادي رد المحكّم أو التأثير في الحكم.

المبدأ القانوني

لا يؤثر تولي المحكم مهمة مهنية لدى جهة مرتبطة بالسياق العام للنزاع في استقلاله، ولو تم الإفصاح عنها قبيل صدور الحكم، ما لم تثبت وحدة مصالح فعلية بينها وبين أحد أطراف التحكيم، ويُقدّر توقيت الإفصاح نسبةً إلى تاريخ نشوء العلاقة لا إلى المدة المتبقية لصدور الحكم.

خاتمة

يؤكد الحكم أن تقدير استقلال المحكم لا يقوم على التشابه في الجنسية أو الصفة العامة أو موضوع النزاع، وإنما على وجود صلة فعلية تكشف عن تقارب المصالح مع أحد الأطراف. كما أن قرب الإفصاح من صدور الحكم لا يُعد في ذاته دليلًا على التأخر متى تم الإفصاح خلال مدة معقولة من تاريخ نشوء العلاقة.