بتاريخ 9 يونيو 2026، أصدرت محكمة تمييز دبي حكمها في الطعن التجاري 595 لسنة 2026. يثير الحكم إشكالية قانونية مهمة تتعلق بمدى سقوط حق الخصم في التمسك بشرط التحكيم إذا لم يدفع به في أول جلسة لنظر الدعوى، ومدى اشتراط علمه الفعلي بوجود اتفاق التحكيم حتى يمكن اعتبار سكوته أو تأخره تنازلاً ضمنياً عن هذا الحق.
وتتفرع عن هذه الإشكالية مسألة أكثر دقة، تتمثل في حالة ما إذا كان المدعى عليه لا يملك نسخة من العقد المتضمن لشرط التحكيم ولم يقدم المدعي هذا العقد إلا أثناء سير الدعوى، فهل يعد عدم تمسكه بالشرط منذ البداية تنازلاً ضمنياً عنه، أم أن حقه يظل قائماً طالما لم يكن عالماً بوجوده؟
وقد تصدت محكمة التمييز لهذه المسألة في ضوء أحكام المادة (8) من قانون التحكيم الإماراتي رقم (6) لسنة 2018، ومبدأ استحالة التكليف بغير المقدور.
أولاً: ملخص الوقائع
تتلخص وقائع النزاع في أن إحدى الشركات أقامت دعوى أمام محكمة دبي الابتدائية مطالبةً شركة أخرى بسداد مبالغ مالية تجاوزت 160 مليون درهم تقريباً، تأسيساً على عقد لتوريد مشتقات نفطية أبرم بين الطرفين في عام 2022، زعمت المدعية أنها سددت بموجبه مبالغ مالية كبيرة للمدعى عليها دون أن تقوم الأخيرة بتنفيذ التزاماتها التعاقدية أو رد المبالغ المستلمة.
وأثناء نظر الدعوى دفعت الشركة المدعى عليها بعدم قبول الدعوى لعدم وجود سند كتابي ولانتفاء العلاقة التعاقدية، كما أدخلت المالك السابق للشركة في الدعوى على سبيل الاحتياط. وبعد ذلك قدمت المدعية العقد الذي تستند إليه في دعواها، فتبين أنه يتضمن شرطاً للتحكيم. وعلى الفور تمسكت المدعى عليها بهذا الشرط ودفعت بعدم قبول الدعوى لوجود اتفاق التحكيم. إلا أن محكمتي أول درجة والاستئناف رفضتا هذا الدفع، واعتبرتا أن المدعى عليها أسقطت حقها في التمسك بشرط التحكيم لأنها لم تثره منذ البداية. فطعنت على الحكم أمام محكمة التمييز.
ثانياً: الحكم
انتهت محكمة التمييز إلى نقض الحكم المطعون فيه، وقضت بإلغاء الحكم الاستئنافي والحكم الابتدائي، والقضاء مجدداً بعدم قبول الدعوى لوجود اتفاق تحكيم صحيح بين الطرفين. كما ألزمت المدعية بالمصروفات وأتعاب المحاماة.
وبذلك أكدت المحكمة أولوية اتفاق التحكيم على ولاية القضاء العادي متى تمسك به الخصم في الوقت الذي يسمح به القانون، وثبت عدم صدور ما يفيد تنازله عنه صراحة أو ضمناً.
ثالثاً: الأسانيد القانونية للحكم
استندت المحكمة إلى المادة (8/1) من قانون التحكيم الإماراتي رقم (6) لسنة 2018 التي توجب على المحكمة الحكم بعدم قبول الدعوى إذا دفع المدعى عليه بوجود اتفاق تحكيم قبل إبداء أي طلب أو دفع في موضوع الدعوى.
وأوضحت المحكمة أن التنازل الضمني عن شرط التحكيم لا يفترض بمجرد التأخر في إبداء الدفع، وإنما يشترط أن يصدر من الخصم سلوك أو إجراء يكشف بصورة واضحة لا لبس فيها عن إرادته في العدول عن التمسك بشرط التحكيم. كما قررت أن افتراض هذا التنازل يقتضي بالضرورة أن يكون الخصم عالماً ابتداءً بوجود الحق الذي يُنسب إليه التنازل عنه.
واستندت المحكمة كذلك إلى القاعدة الأصولية المستقرة المتمثلة في أن (التكليف مناطه القدرة)، وأنه لا يجوز تحميل الشخص التزاماً يستحيل عليه القيام به، إذ لا يمكن مطالبة المدعى عليه بالتمسك بشرط تحكيم وارد في عقد لا يملكه ولا يعلم بوجوده أو بمضمونه.
كما رأت المحكمة أن المدعى عليها كانت قد دفعت منذ بداية الدعوى بعدم وجود سند كتابي للعلاقة التعاقدية، وأن العقد المتضمن لشرط التحكيم لم يقدم إلا لاحقاً أثناء سير الخصومة، وأنها بمجرد اطلاعها عليه تمسكت بشرط التحكيم في أول جلسة تالية وقبل الخوض في موضوع النزاع، الأمر الذي ينفي أي تنازل ضمني عن هذا الحق.
رابعاً: المبادئ القانونية المستخلصة من الحكم
انتهى الحكم إلى عدد من المبادئ القضائية المهمة، من أبرزها:
1. لا يفترض التنازل الضمني عن شرط التحكيم لمجرد التأخر في إبدائه، بل يجب أن يثبت صدور سلوك إيجابي واضح يكشف عن إرادة التخلي عنه.
2. العلم بوجود اتفاق التحكيم شرط لازم لقيام التنازل الضمني عنه؛ إذ لا يمكن نسبة التنازل إلى من يجهل وجود الحق محل التنازل.
3. إذا لم يكن المدعى عليه عالماً بوجود شرط التحكيم بسبب عدم تقديم العقد المتضمن له، فإن تمسكه به فور علمه يعد تمسكاً صحيحاً ومنتجاً لآثاره القانونية.
4. مبدأ (لا تكليف بمستحيل) يمتد إلى الإجراءات القضائية، فلا يجوز تحميل الخصم عبء التمسك بحق يجهل وجوده أو لا تتوافر لديه وسيلة معرفته.
5. العبرة في تقدير سقوط الحق في التمسك بشرط التحكيم ليست بمجرد ترتيب الإجراءات زمنياً، وإنما بمدى توافر العلم والإرادة الحرة في العدول عن هذا الحق.
6. اتفاق التحكيم يظل منتجاً لأثره ويؤدي إلى عدم قبول الدعوى القضائية متى ثبت وجوده وتمسك به الخصم في أول فرصة حقيقية أتيحت له بعد العلم به.
خاتمة
يمثل هذا الحكم تطبيقاً متقدماً لمبدأ احترام إرادة الأطراف في اللجوء إلى التحكيم، كما يجسد اتجاهاً قضائياً يوازن بين متطلبات الاستقرار الإجرائي وبين ضمانات العدالة والحق في الدفاع. فقد رفضت محكمة التمييز التفسير الشكلي الجامد لقاعدة التمسك المبكر بشرط التحكيم، وربطت سقوط الحق في الدفع بوجود علم حقيقي بالشرط وإرادة واضحة في التنازل عنه. ومن ثم يعد الحكم من الأحكام المهمة التي أرست مبدأ مؤداه أن التأخر في التمسك بشرط التحكيم لا يؤدي بذاته إلى سقوط الحق فيه ما لم يثبت أن الخصم كان عالماً به واختار رغم ذلك العدول عن التمسك به.





