بتاريخ 31 مارس 2026 أصدر المحكمة العليا لجمهورية سنغافورة حكمها في القضية رقم.. لسنة .... وقد عالج الحكم إحدى الإشكاليات الدقيقة في مجال التحكيم التجاري الدولي، والمتمثلة في تحديد الطبيعة القانونية للإخلال بإجراءات ما قبل التحكيم، وما إذا كان عدم استيفاء هذه الإجراءات يؤثر في اختصاص هيئة التحكيم ذاتها، بما يجيز طلب إبطال الحكم التحكيمي، أم أنه يتعلق فقط بمدى قبول الدعوى أو المطالبة المعروضة على هيئة التحكيم.
وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة في عقود الإنشاءات الدولية القائمة على نماذج الفيديك (FIDIC)، حيث تتضمن هذه العقود عادةً آليات متعددة المراحل لتسوية المنازعات تبدأ بعرض النزاع على مجلس فض المنازعات (Dispute Adjudication Board – DAB) قبل الانتقال إلى التحكيم. وقد انتهى الحكم إلى تبني اتجاه حديث في التحكيم الدولي مؤداه أن الإخلال بهذه الإجراءات يندرج – كأصل عام – ضمن مسائل القبول (Admissibility) لا الاختصاص (Jurisdiction)، وهو ما يحد من نطاق الرقابة القضائية على الأحكام التحكيمية ويعزز مبدأ نهائية التحكيم واستقلاله.
أولاً: الإشكالية القانونية محل الحكم
تمثلت الإشكالية القانونية الجوهرية في التساؤل الآتي:
هل يؤدي عدم الالتزام بإجراءات ما قبل التحكيم، ومنها اللجوء إلى مجلس فض المنازعات قبل مباشرة التحكيم، إلى انعدام اختصاص هيئة التحكيم بما يبرر إبطال الحكم التحكيمي، أم أن الأمر لا يعدو كونه مسألة تتعلق بقبول الدعوى أمام هيئة التحكيم، ومن ثم يخرج عن نطاق رقابة محكمة البطلان؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية سؤال آخر لا يقل أهمية، وهو مدى جواز إعادة إثارة الدفع بعدم الاختصاص عند طلب إبطال الحكم التحكيمي، إذا كانت هيئة التحكيم قد سبق أن فصلت فيه بقرار أولي ولم يتم الطعن عليه خلال الميعاد القانوني.
ثانياً: وقائع النزاع
نشأت العلاقة بين طرفي النزاع بموجب عقد تصميم وتنفيذ لمشروع سكك حديدية، تضمن نظاماً متعدد المراحل لتسوية المنازعات وفقاً لأحكام الفيديك. وقد نشبت عدة نزاعات بين صاحب العمل (Employer) والمقاول (Contractor)، فقام المقاول بإحالة بعض هذه النزاعات إلى مجلس فض المنازعات (DAB) وفقاً للإجراءات التعاقدية المتفق عليها.
إلا أن المجلس رفض النظر في عدد من النزاعات المحالة إليه، معتبراً أنها لا تدخل ضمن نطاق اختصاصه. وبعد انقضاء المدة المقررة دون صدور قرار بشأن تلك المنازعات، قام المقاول بإصدار إشعار بعدم الرضا (Notice of Dissatisfaction)، ثم أحال النزاع إلى التحكيم.
وأثناء سير إجراءات التحكيم، تمسك صاحب العمل بعدم اختصاص هيئة التحكيم، استناداً إلى عدم استيفاء المقاول للإجراءات السابقة على التحكيم المنصوص عليها في العقد. غير أن هيئة التحكيم رفضت هذا الدفع في أمر إجرائي تمهيدي (PO5)، وقررت أن الإجراءات التعاقدية قد استوفيت بصورة صحيحة، ثم أصدرت حكماً نهائياً لصالح المقاول.
وعلى إثر ذلك، تقدم صاحب العمل بطلب أمام المحكمة العليا السنغافورية لإبطال الحكم التحكيمي، تأسيساً على سببين رئيسيين هما: انتفاء اختصاص هيئة التحكيم، والإخلال بمبادئ العدالة الطبيعية.
ثالثاً: أسانيد المحكمة في رفض دعوى البطلان
1. الأثر المانع لعدم الطعن على القرار الأولي بشأن الاختصاص
قررت المحكمة أن هيئة التحكيم كانت قد فصلت بصورة نهائية في الدفع المتعلق بالاختصاص من خلال الأمر الإجرائي رقم (PO5)، والذي صدر باعتباره قراراً أولياً مستقلاً بشأن الاختصاص.
وأوضحت المحكمة أن المادة 16/3 من قانون الأونسيترال النموذجي والمادة 10/3 من قانون التحكيم الدولي السنغافوري تمنح الطرف المعترض مهلة 30 يوماً للطعن على القرار الأولي الصادر من هيئة التحكيم بشأن اختصاصها. وبما أن صاحب العمل لم يستعمل هذا الطريق القانوني خلال المدة المحددة، فإنه أصبح ممنوعاً من إعادة إثارة ذات الدفع لاحقاً ضمن دعوى إبطال الحكم التحكيمي.
واعتبرت المحكمة أن هذه القاعدة تحقق الاستقرار واليقين القانوني وتمنع الأطراف من الانتظار حتى صدور الحكم النهائي ثم إعادة فتح مسائل سبق حسمها أثناء سير التحكيم.
2. التمييز بين الاختصاص وقبول الدعوى
يمثل هذا الجانب أهم ما جاء في الحكم.
فقد أوضحت المحكمة أن الاختصاص يتعلق بسلطة هيئة التحكيم في نظر النزاع من حيث المبدأ، أي بوجود اتفاق تحكيم صحيح يخولها الفصل في المنازعات الناشئة بين الأطراف.
أما القبول فيتعلق بمدى جواز نظر النزاع في المرحلة التي أحيل فيها إلى الهيئة، أي ما إذا كانت المتطلبات الإجرائية السابقة على التحكيم قد استوفيت من عدمها.
وبناءً على هذا التمييز، انتهت المحكمة إلى أن الالتزام بإجراءات ما قبل التحكيم لا يمس وجود اتفاق التحكيم ولا يؤثر في سلطة هيئة التحكيم ذاتها، وإنما يتعلق فقط بمدى صلاحية النزاع لأن يُنظر فيه في تلك المرحلة.
ومن ثم فإن الدفع القائم على عدم استيفاء إجراءات ما قبل التحكيم يعد دفعاً بعدم القبول وليس دفعاً بعدم الاختصاص.
3. عدم قابلية قرارات القبول للمراجعة القضائية
استناداً إلى ما سبق، قررت المحكمة أن هيئة التحكيم هي صاحبة السلطة في الفصل في المسائل المتعلقة بقبول الدعوى، وأن قراراتها في هذا الشأن لا تخضع لرقابة المحكمة عند نظر دعوى البطلان.
وبذلك رفضت المحكمة محاولة صاحب العمل إعادة توصيف الدفع باعتباره متعلقاً بالاختصاص، مؤكدة أن العبرة بحقيقة المسألة القانونية لا بالتسمية التي يطلقها عليها الخصوم.
4. صحة موقف هيئة التحكيم بشأن استيفاء الإجراءات التعاقدية
وعلى سبيل الاحتياط، تناولت المحكمة موضوع النزاع ذاته، فخلصت إلى أن المقاول كان محقاً في إحالة النزاع إلى التحكيم.
فقد تبين للمحكمة أن مجلس فض المنازعات رفض النظر في بعض النزاعات التي كان من الواجب عليه النظر فيها، الأمر الذي أدى إلى تعطيل آلية فض المنازعات التعاقدية وجعلها غير قابلة للتطبيق عملياً.
ورأت المحكمة أن إرغام المقاول على إعادة تشكيل مجلس جديد أو إعادة الإجراءات من بدايتها لم يكن ليحقق أي فائدة عملية، بل كان سيحول الإجراءات السابقة على التحكيم إلى وسيلة لتعطيل الوصول إلى العدالة بدلاً من تسهيلها.
5. رفض مزاعم الإخلال بالعدالة الطبيعية
كما رفضت المحكمة جميع الدفوع المتعلقة بالإخلال بمبادئ العدالة الطبيعية، مؤكدة أن هيئة التحكيم منحت الطرفين فرصة كاملة لعرض دفوعهما وأدلتهما.
وأضافت المحكمة أن مجرد الادعاء بوقوع خطأ إجرائي لا يكفي لإبطال الحكم، ما لم يثبت الطاعن أن ذلك الخطأ قد تسبب فعلاً في حرمانه من فرصة حقيقية للدفاع أو أثر في النتيجة النهائية للحكم.
رابعاً: المبادئ القانونية المستخلصة من الحكم
يمكن استخلاص عدد من المبادئ المهمة من هذا الحكم:
1. إذا قضت هيئة التحكيم في دفع الاختصاص بقرار أولي مستقل، وجب الطعن عليه خلال المدة القانونية المقررة، وإلا امتنع إثارته لاحقاً ضمن دعوى البطلان.
2. الأصل أن الإخلال بإجراءات ما قبل التحكيم يمثل مسألة تتعلق بقبول الدعوى وليس باختصاص هيئة التحكيم.
3. القرارات الصادرة من هيئة التحكيم بشأن قبول الدعوى لا تخضع للمراجعة القضائية في إطار دعوى البطلان.
4. تعطل آلية تسوية المنازعات التعاقدية أو استحالة تطبيقها يبرر الانتقال مباشرة إلى التحكيم دون التمسك الشكلي بالإجراءات السابقة.
5. لا يكفي لإبطال الحكم التحكيمي إثبات وقوع مخالفة إجرائية، بل يجب إثبات تأثيرها الفعلي في حقوق الدفاع أو في النتيجة النهائية للحكم.
خاتمة
يعد هذا الحكم من الأحكام المهمة في مجال التحكيم التجاري الدولي؛ إذ رسخ التوجه الحديث نحو التضييق من نطاق التدخل القضائي في العملية التحكيمية، وأكد أن الإخلال بإجراءات ما قبل التحكيم لا يمس – في الأصل – اختصاص هيئة التحكيم، وإنما يتعلق بقبول الدعوى المعروضة عليها. كما عزز الحكم مبدأ نهائية القرارات التحكيمية واستقرارها، ومنع استخدام الدفوع الشكلية كوسيلة لإطالة أمد المنازعات أو تعطيل تنفيذ الأحكام التحكيمية، وهو ما ينسجم مع الأهداف الأساسية للتحكيم التجاري الدولي المتمثلة في السرعة والفعالية واليقين القانوني.





