أصدر المعهد المعتمد للمحكمين (Chartered Institute of Arbitrators – CIArb) في يوليو 2026 تقريره "Report on Party-Appointed Expert Witnesses in International Arbitration: Effectiveness and Best Practice"، وذلك في إطار مبادرته الرامية إلى تعظيم فعالية خبراء الأطراف في وسائل تسوية المنازعات البديلة، والتي أُطلقت عام 2024. ويعد التقرير ثمرة واحدة من أوسع عمليات التشاور التي أجراها المعهد على المستوى الدولي، حيث شارك في إعدادها محكمون ومحامون وخبراء فنيون ومستشارون قانونيون داخليون ومؤسسات تحكيمية من مختلف الأقاليم القانونية، مستندًا إلى استبيان عالمي شارك فيه 419 متخصصًا إلى جانب مجموعات عمل إقليمية في الأمريكتين، وأوروبا وأفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا والمحيط الهادئ.
وتنبع أهمية التقرير من كونه لا يقتصر على رصد واقع استخدام خبراء الأطراف في التحكيم التجاري الدولي، وإنما يسعى إلى تطوير أفضل الممارسات العملية بما يعزز جودة الأدلة الفنية، ويرفع من كفاءة إدارة الدعوى التحكيمية، ويحقق التوازن بين ضمانات العدالة الإجرائية وسرعة الفصل في المنازعات. كما يكتسب التقرير أهمية خاصة لكونه يستند إلى بيانات وتجارب عملية بدلاً من الاقتصار على الطرح النظري، الأمر الذي يجعله مرجعًا عمليًا للمحكمين والمحامين والخبراء والمؤسسات التحكيمية.
ويهدف التقرير إلى تحديد أبرز الإشكاليات المتكررة في الممارسة العملية المتعلقة بخبراء الأطراف، وصياغة توصيات عملية لتحسين التواصل بينهم وبين هيئات التحكيم والمحامين، وتشجيع الاستعانة المبكرة بالخبراء، وتعزيز وضوح التقارير الفنية وقيمتها الإثباتية، فضلًا عن توفير أساس يمكن البناء عليه في تطوير الإرشادات والبروتوكولات المستقبلية التي يصدرها المعهد. ويؤكد التقرير في الوقت ذاته أنه لا يضع قواعد إلزامية، وإنما يقدم إطارًا استرشاديًا مرنًا يمكن تكييفه بحسب طبيعة كل نزاع وإجراءاته.
أبرز نتائج تقرير (CIArb) 2026
كشف التقرير عن مجموعة من النتائج التي تعكس اتجاهًا واضحًا نحو ضرورة اضطلاع هيئة التحكيم بدور أكثر فاعلية في إدارة الدليل الفني منذ المراحل الأولى للتحكيم، ومن أهمها:
1. الإدارة الاستباقية لهيئة التحكيم تعزز فاعلية الخبرة الفنية
أكدت نتائج الاستبيان أن فعالية شهادة الخبراء تتحسن بصورة ملحوظة عندما تتولى هيئة التحكيم إدارة عملية الخبرة بشكل استباقي، من خلال تحديد المسائل الجوهرية مبكرًا، والإشراف على المنهجيات والبيانات المستخدمة، وعدم الاكتفاء بدور سلبي في تلقي التقارير الفنية.
2. توافق واسع على أهمية الأسئلة المبكرة من هيئة التحكيم
أيدت أغلبية ساحقة من المشاركين قيام هيئة التحكيم بتوجيه أسئلة إلى الخبراء عقب تقديم التقارير الأولى، حيث بلغت نسبة التأييد 95%بين الخبراء، و90% بين المحامين الخارجيين، و83% بين المستشارين القانونيين الداخليين، و78% بين المحكمين، بما يعكس توافقًا واسعًا على أهمية هذا التفاعل المبكر.
3. الاجتماعات المبكرة بين الخبراء تقلل الخلافات الفنية
أظهرت النتائج توافقًا كبيرًا على أهمية عقد اجتماعات مبكرة بين الخبراء للاتفاق على البيانات والمنهجيات المشتركة أو توضيح أوجه الاختلاف بشأنها، باعتبار ذلك من الوسائل الكفيلة بتقليل الخلافات الفنية وتسهيل مهمة هيئة التحكيم في تقييم الأدلة.
4. الاستعانة بالخبراء قبل بدء التحكيم يعزز من فاعلية الدعوى
بينت الدراسة وجود تفضيل واضح للاستعانة بالخبراء منذ مرحلة ما قبل بدء التحكيم، إذ رأى 71% من المشاركين أن إشراك الخبير في هذه المرحلة يسهم في تحسين جودة إعداد الدعوى وتقليل الحاجة إلى معالجة أوجه القصور لاحقًا.
5. تباين كبير في تقييم تدخل المحامين في عمل الخبراء
كشفت النتائج عن اختلاف ملحوظ في تقييم مدى تدخل المحامين في عمل الخبراء؛ إذ رأى جميع المستشارين القانونيين الداخليين تقريبًا أن الخبراء يتعرضون لتوجيه مفرط من قبل المحامين، بينما اعتبر 73%من الخبراء أن هذا التدخل لا يحدث إلا نادرًا أو لا يحدث أصلًا، وهو ما يمثل أحد أبرز مواطن التباين بين الفئات المشاركة في الدراسة.
6. تأييد واسع لتعزيز استقلالية الخبراء في التقارير المشتركة
أيد 84% من المشاركين الحد من تدخل المحامين في صياغة التقارير المشتركة للخبراء، وارتفعت النسبة إلى 93%بين الخبراء أنفسهم، بما يعكس اتجاهًا واضحًا نحو تعزيز استقلالية الخبراء عند إعداد آرائهم الفنية المشتركة.
7. القراءة المبكرة للتقارير الفنية تزيد فاعلية جلسات الاستماع
أوصى التقرير بأن تبادر هيئات التحكيم إلى قراءة التقارير الفنية فور تقديمها، وإعداد قوائم بالأسئلة قبل جلسات الاستماع، يساعد على تركيز المناقشات في النقاط الفنية الجوهرية ويحد من إطالة الإجراءات.
8. التحفظ على الاجتماعات الخاصة بين هيئة التحكيم والخبراء بعد المرافعة
أظهرت النتائج وجود تحفظ واسع تجاه الاجتماعات الخاصة التي قد تعقد بين هيئة التحكيم والخبراء بعد انتهاء جلسات المرافعة، إذ اعتبر كثير من المشاركين أن هذه الاجتماعات قد تثير مخاوف تتعلق بالحياد والشفافية والعدالة الإجرائية، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى إثارة أسباب للطعن في الحكم التحكيمي.
خاتمة
يمثل هذا التقرير إضافة نوعية في مجال التحكيم التجاري الدولي، إذ يقدم رؤية عملية متكاملة لإعادة تنظيم العلاقة بين هيئة التحكيم وخبراء الأطراف بما يعزز كفاءة الإجراءات وجودة الأدلة الفنية. كما يرسخ اتجاهًا متناميًا نحو منح هيئات التحكيم دورًا أكثر فاعلية في إدارة الخبرة الفنية منذ المراحل الأولى للنزاع، مع الحفاظ على استقلال الخبراء وضمانات الحياد والعدالة الإجرائية. ومن ثم، يشكل التقرير مرجعًا مهمًا للمحكمين والمحامين والخبراء والمؤسسات التحكيمية عند تطوير ممارساتهم وصياغة أوامر الإجراءات بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية في إدارة الدليل الفني.






