النقض المصرية تؤيد حكم تحكيم بقيمة 787 مليون دولار في نزاع الخطوط الجوية العراقية وهورس للسياحة
2026/08/02

النقض المصرية تؤيد حكم تحكيم بقيمة 787 مليون دولار في نزاع الخطوط الجوية العراقية وهورس للسياحة

المقدمة

بتاريخ 1 يونيو 2026، أصدرت محكمة النقض المصرية، الدائرة المدنية والتجارية، حكمها في الطعن رقم 36915 لسنة 95 قضائية، المقام من وزير النقل العراقي وشركة الخطوط الجوية العراقية ضد شركة هورس للسياحة، ممثلةً في رئيس لجنة التحفظ والحصر والإدارة والتصرف في أموال الجماعات الإرهابية والإرهابيين بصفته ممثلاً قانونياً عنها.

نشأ النزاع عن عقد وكالة عامة حصرية لبيع تذاكر السفر وتقديم خدمات النقل الجوي. وتركزت الإشكالية القانونية حول امتداد شرط التحكيم لغير الموقع عليه، وتشكيل هيئة التحكيم، والقانون الواجب التطبيق، وأهلية أحد طرفي العقد، وحدود الرقابة القضائية على تقدير التعويض.

الوقائع

بتاريخ 30 يناير 2001، أبرمت شركة الخطوط الجوية العراقية، بصفتها الموكل، مع شركة هورس للسياحة، بصفتها الوكيل، عقد وكالة عامة حصرية، عهدت بموجبه إلى شركة هورس ببيع تذاكر السفر وتقديم خدمات النقل الجوي. وتضمن العقد شرطًا للتحكيم، وربط نفاذه بموافقة السلطات الحكومية العراقية.

وافقت وزارة النقل العراقية على ملحق العقد المؤرخ 15 مارس 2001، وتابعت تنفيذ الوكالة من خلال المراسلات الرسمية. واستمرت شركة هورس في أداء التزاماتها خلال فترة الحظر الجوي على العراق، إلى أن أنهت شركة الخطوط الجوية العراقية العقد تنفيذًا لتوجيهات حكومية مرتبطة بالأوضاع السياسية، كما صدرت عن وزير النقل مخاطبات بشأن الإنهاء.

لجأت شركة هورس إلى التحكيم مطالبةً بالتعويض، واختصمت شركة الخطوط الجوية العراقية ووزير النقل العراقي. وفي الجلسة الإجرائية الأولى المنعقدة بتاريخ 28 نوفمبر 2013، اتفق الأطراف على تطبيق قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 على الإجراءات، والقوانين المصرية على موضوع النزاع والإثبات.

خلال عام 2014، أدى الخلاف حول زيادة أتعاب هيئة التحكيم ووقف الإجراءات لعدم سدادها إلى إقامة شركة هورس دعوى أمام محكمة استئناف القاهرة بطلب عزل المحكمين وإلغاء قراراتهم. وتدخلت شركة الخطوط الجوية العراقية بطلب إثبات تنحي رئيس الهيئة والمحكم المعين من جانبها.

رفضت محكمة استئناف القاهرة طلب شركة الخطوط الجوية العراقية إثبات التنحي، ولم تطعن الشركة على هذا الجزء، بينما قضت في الدعوى الأصلية بإنهاء مهمة رئيس الهيئة وعدم اختصاصها بنظر باقي الطلبات. وبتاريخ 14 يناير 2020، نقضت محكمة النقض الجزء الأخير وأعادت القضية إلى محكمة الاستئناف، التي قضت بتاريخ 23 مارس 2022 برفض طلب إنهاء مهمة المحكمين. عقب ذلك، استأنفت الهيئة الإجراءات، ووافق محكما الطرفين على استمرار رئيسها في مهمته.

وبعد ندب خبير واستكمال نظر النزاع، أصدرت هيئة التحكيم بتاريخ 26 يوليو 2023 حكمها بإلزام وزير النقل العراقي وشركة الخطوط الجوية العراقية، بالتضامن، بأداء 787,426,177 دولارًا أمريكيًا إلى شركة هورس، بخلاف الفوائد وأتعاب ومصروفات التحكيم.

أقام وزير النقل العراقي وشركة الخطوط الجوية العراقية دعويين بطلب وقف تنفيذ حكم التحكيم وبطلانه، استنادًا إلى بطلان تشكيل الهيئة، وعدم امتداد شرط التحكيم إلى وزير النقل لعدم توقيعه العقد، ونقص أهلية شركة هورس وقت إبرامه، ومخالفة القانون الواجب التطبيق، والاحتكام إلى العدالة والإنصاف دون تفويض. كما اعترضا على تقرير الخبير وأسس تقدير التعويض.

وبتاريخ 30 سبتمبر 2025، قضت محكمة استئناف القاهرة برفض الدعويين، فطعن وزير النقل العراقي وشركة الخطوط الجوية العراقية في حكمها بطريق النقض بتاريخ 29 نوفمبر 2025.

ودفعت النيابة العامة ببطلان الطعن لعدم اختصام شركة الأهرام للاستثمار التي عينتها لجنة التحفظ لإدارة شركة هورس. وبتاريخ 1 يونيو 2026، رفضت محكمة النقض هذا الدفع والطعن موضوعًا.

رأي المحكمة وحيثياتها

قررت المحكمة أن رئيس لجنة التحفظ هو صاحب الصفة في تمثيل شركة هورس، بينما تقتصر مهمة شركة الأهرام للاستثمار على الإدارة، فلا يلزم اختصامها في الطعن.

وفي شأن تشكيل هيئة التحكيم، أكدت أن القضاء السابق برفض إثبات التنحي اكتسب قوة الأمر المقضي، ولم يتأثر بنقض الجزء المستقل المتعلق بالدعوى الأصلية. كما اعتبرت اتفاق محكمي الطرفين على استمرار رئيس الهيئة كافيًا لصحة استمراره.

ورأت المحكمة أن شرط التحكيم يمتد إلى وزير النقل العراقي؛ لأن نطاق الاتفاق لا يتحدد بالتوقيع وحده، وإنما قد يشمل من تكشف مشاركته في العلاقة التعاقدية عن قبوله الضمني به.

ورفضت الدفع بنقص أهلية شركة هورس لصدوره ممن لا يملك التمسك به، باعتبار أن البطلان الناتج عن نقص الأهلية مقرر لمصلحة ناقص الأهلية وحده.

كما انتهت إلى التزام هيئة التحكيم بالقانون المختار، وأن الإشارة المجردة إلى العدالة والإنصاف لا تثبت استبعاد القواعد القانونية أو ممارسة سلطات المحكم المفوض بالصلح.

أما أوجه الاعتراض المتعلقة بتقرير الخبير وعناصر الضرر ومقدار التعويض، فاعتبرتها المحكمة من مسائل الموضوع التي تستقل هيئة التحكيم بتقديرها، ولا تدخل في حالات البطلان الحصرية الواردة في المادة 53 من قانون التحكيم.

منطوق الحكم

قضت محكمة النقض برفض الطعن، وألزمت وزير النقل العراقي وشركة الخطوط الجوية العراقية بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، مع مصادرة الكفالة.

أهم المبادئ المستخلصة

  1. دعوى بطلان حكم التحكيم تقتصر على الحالات المنصوص عليها قانونًا، ولا تمتد إلى إعادة مناقشة موضوع النزاع أو مراجعة تقدير هيئة التحكيم للوقائع أو الأدلة أو تقدير التعويضات. 
  2. اشتراط موافقة الجهة الحكومية لنفاذ العقد، وتدخلها في المراسلات أو التفاوض أو تنفيذ العقد أو إنهائه، يكشف عن مشاركتها الفعلية في العلاقة التعاقدية وعلمها باتفاق التحكيم، بما يجيز امتداد نطاق اتفاق التحكيم إليها واختصامها في المنازعات الناشئة عن هذا العقد.

خاتمة

يؤكد الحكم اتجاهًا مستقرًا في قضاء محكمة النقض بشأن حجية الأحكام وحصرية أسباب بطلان أحكام التحكيم. ويكتسب أهمية عملية بالنظر إلى ضخامة التعويضات محل النزاع وتعدد الأطراف والإجراءات القضائية المتفرعة عنه.

كما يبين للممارسين ضرورة الفصل بين الأجزاء المستقلة للأحكام عند تحديد نطاق الطعن، وإثارة الاعتراضات الإجرائية في وقتها، وتوثيق اختيار القانون الحاكم في المحاضر الإجرائية. ولا يمثل الحكم عدولًا عن اتجاه سابق، وإنما يقدم تطبيقًا بارزًا للقواعد القائمة في منازعة تحكيم دولي مرتفعة القيمة.