خطابات الضمان بين استقلال الالتزام وسلطة القضاء: هل يجوز وقف التسييل؟
2026/05/17

تعد خطابات الضمان البنكية من أهم الأدوات القانونية والاقتصادية التي تقوم عليها المعاملات التجارية الحديثة، لاسيما في عقود المقاولات والاستثمار. غير أن هذه الأداة تثير إشكالية قانونية دقيقة تتكرر أمام القضاء، تتمثل في مدى جواز تدخل القضاء لوقف تسييل خطاب الضمان عند نشوب نزاع بين أطراف العقد الأصلي. وقد تصدت محكمة النقض المصرية لهذه الإشكالية في حكمها الصادر في الطعن رقم 5377 لسنة 91 قضائية بتاريخ 13 مارس 2022، لتضع حدًا فاصلاً بين مبدأ استقلال خطاب الضمان ومحاولات تعطيل آثاره القضائية.

أولًا: الإشكالية القانونية – تعارض بين العدالة العقدية واستقلال الضمان

تتمحور الإشكالية حول سؤال جوهري:

هل يجوز للآمر (المقاول) أن يلجأ إلى القضاء لوقف تسييل خطاب الضمان بحجة وجود نزاع موضوعي مع المستفيد، خاصة إذا كان النزاع معروضًا على التحكيم؟

هذه الإشكالية تعكس تعارضًا ظاهريًا بين مصلحتين:

  • مصلحة الآمر في منع صرف مبلغ قد يكون غير مستحق.
  • ومصلحة المستفيد في الحصول على ضمان سريع وفعال غير معلق على النزاع.

ثانيًا: وقائع النزاع – محاولة تعطيل خطاب الضمان عبر القضاء

تدور وقائع النزاع حول عقد مقاولة أبرم بين شركة إعمار مصر وشركة دار للتجارة والمقاولات، حيث أصدرت الأخيرة خطابات ضمان لصالح الأولى عبر أحد البنوك. وبعد تنفيذ الأعمال، نشب خلاف بين الطرفين، دفع المقاول إلى إقامة دعوى مستعجلة بطلب وقف تسييل خطابات الضمان لحين الفصل في النزاع التحكيمي.

وقد استجابت محكمة الاستئناف لهذا الطلب وقضت بوقف التسييل، وهو ما دفع شركة إعمار إلى الطعن بالنقض، تأسيسًا على مخالفة الحكم لمبدأ استقلال خطاب الضمان.

ثالثًا: الحل القضائي – ترسيخ مبدأ الاستقلال ورفض وقف التسييل

جاء حكم محكمة النقض المصرية حاسمًا، إذ قرر:

  • نقض الحكم المطعون فيه
  • والقضاء بعدم قبول الدعوى التي تستهدف وقف التسييل

وقد أسست المحكمة قضاءها على قاعدة جوهرية مفادها أن:

خطاب الضمان التزام مستقل ونهائي، يلتزم البنك بموجبه بالوفاء للمستفيد بمجرد الطلب، دون اعتداد بأي نزاع في العلاقة الأصلية.

وبذلك رفضت المحكمة أي تدخل قضائي من شأنه تعطيل صرف خطاب الضمان، معتبرة أن مثل هذه الدعاوى تمثل تحايلاً على طبيعة هذا الالتزام.

رابعًا: الأساس القانوني – الطبيعة المجردة لخطاب الضمان

استندت المحكمة إلى أحكام قانون التجارة، وبالأخص:

  • المادة 358 التي تقضي بوجوب وفاء البنك دون اعتداد بأي معارضة.
  • المادة 359 التي تقصر مد أجل الخطاب على إرادة البنك والمستفيد.

كما أكدت المحكمة أن خطاب الضمان:

  • لا يعد تنفيذًا للعقد الأصلي.
  • ولا يُنشئ تبعية بين التزام البنك والتزامات الآمر.
  • بل يعد التزامًا أصيلاً ومستقلاً بذاته.

خامسًا: الأبعاد الاقتصادية للحكم – حماية الثقة في المعاملات

لم يقف الحكم عند حدود التفسير القانوني، بل امتد إلى حماية الاعتبارات الاقتصادية، حيث قررت المحكمة أن:

السماح بوقف صرف خطابات الضمان يهدم الثقة فيها ويُفرغها من مضمونها كأداة ائتمانية فعالة. فخطاب الضمان يقوم أساسًا على السرعة واليقين، وأي تعطيل له يُفقده وظيفته في تأمين المعاملات، خاصة في قطاع المقاولات والاستثمار.

سادسًا: النتيجة – ترجيح الاستقرار التجاري على الحماية الفردية

ينتهي الحكم إلى ترجيح كفة الاستقرار التجاري على حساب مصلحة الآمر في منع الصرف، مع منحه طريقًا بديلًا يتمثل في الرجوع بدعوى مستقلة لاسترداد ما تم صرفه دون وجه حق.

وبذلك تحقق المحكمة توازنًا دقيقًا بين:

  • عدم تعطيل خطاب الضمان
  • وضمان عدم ضياع حقوق الآمر 

خاتمة

يكرس هذا الحكم اتجاهًا قضائيًا مستقرًا مفاده أن:

خطاب الضمان يظل بمنأى عن منازعات العقد الأصلي، ولا يجوز للقضاء أن يكون وسيلة لتعطيل أثره.

وهو ما يعكس إدراك القضاء لأهمية هذه الأداة في دعم الائتمان التجاري، ويؤكد أن حماية الثقة في المعاملات أولى من وقفها بسبب نزاعات فردية يمكن تسويتها بوسائل أخر.