استئناف باريس ترسم حدود حياد المحكم خارج إجراءات التحكيم  في نزاع بمليار دولار
2026/07/11

بتاريخ 23 يونيو 2026 أصدرت محكمة استئناف باريس حكماً جديداًَ يثير إشكالية قانونية بالغة الأهمية في مجال التحكيم التجاري الدولي، تتمثل في مدى إمكانية أن تؤدي المواقف أو التصريحات العلنية التي يبديها المحكم خارج إطار إجراءات التحكيم إلى التشكيك في حياده، ومن ثم ترتيب بطلان القرار الصادر عن هيئة التحكيم.

وتزداد أهمية هذه الإشكالية عندما تصدر تلك المواقف أثناء استمرار بعض مراحل النزاع التحكيمي، بما في ذلك إجراءات ما بعد صدور الحكم، الأمر الذي يطرح تساؤلًا حول مدى استمرار التزام المحكم بالحياد وعدم الانحياز طوال حياة الخصومة التحكيمية، وليس فقط أثناء نظر النزاع الأصلي.

ملخص الوقائع

تعود وقائع النزاع إلى مطالبة بنك أوشادبانك الأوكراني (Oschadbank) بتعويضات ضد الاتحاد الروسي نتيجة ما اعتبره استيلاءً غير مشروع على استثماراته في شبه جزيرة القرم عقب ضمها عام 2014.

وفي عام 2018، أصدرت هيئة تحكيم مشكلة تحت مظلة محكمة التحكيم الدائمة (PCA) ومقرها باريس حكمًا ألزم الاتحاد الروسي بسداد تعويضات تجاوزت مليار دولار أمريكي لصالح البنك الأوكراني.

ورغم أن حكم التحكيم سبق أن نجا من دعوى بطلان سابقة، تقدمت روسيا لاحقًا بطلب لإعادة النظر أمام هيئة التحكيم استنادًا إلى أسباب استثنائية، إلا أن الهيئة رفضت هذا الطلب.

وعقب ذلك، أقامت روسيا دعوى جديدة أمام محكمة استئناف باريس طالبت فيها بإبطال القرار الصادر برفض إعادة النظر، مستندة – من بين أوجه الطعن – إلى أن أحد المحكمين فقد حياده نتيجة تصرفات صدرت عنه أثناء استمرار إجراءات إعادة النظر.

دفوع الاتحاد الروسي

استندت روسيا إلى أن أحد المحكمين شارك في توقيع مذكرة صديق للمحكمة (Amicus Curiae Brief)  قدمت أمام القضاء الأمريكي في دعوى مستقلة تتعلق بقضية Yukos.

وتضمنت تلك المذكرة تأييدًا صريحًا للأطراف المناوئة للاتحاد الروسي، إلى جانب انتقادات حادة للاستراتيجية الإجرائية التي اتبعتها روسيا في تلك المنازعات.

ورأت روسيا أن هذا السلوك العلني، الصادر أثناء بقاء إجراءات إعادة النظر في النزاع التحكيمي قائمة، من شأنه أن يثير شكوكًا مبررة بشأن حياد المحكم، بما يمس سلامة تشكيل هيئة التحكيم.

الحكم وأسانيده القانونية

انتهت محكمة استئناف باريس إلى التمييز بين مفهومي الاستقلال والحياد باعتبارهما التزامين قانونيين مختلفين، ورتبت على هذا التمييز نتائج قانونية متباينة.

فقررت المحكمة أن مجرد مشاركة المحكم في إعداد أو توقيع مذكرة Amicus Curiae  لا تُنشئ بذاتها علاقة شخصية أو مهنية أو مالية مع أحد أطراف النزاع، ومن ثم فإنها لا تمس استقلال المحكم.

إلا أنها في المقابل رأت أن مضمون تلك المذكرة وتوقيتها شكّلا سببًا كافيًا لإثارة شكوك مشروعة حول حياد المحكم، إذ تضمنت تأييدًا واضحًا لأطراف مناوئة للاتحاد الروسي وانتقادات مباشرة له في وقت كانت فيه إجراءات التحكيم لا تزال مستمرة.

وأكدت المحكمة أن إظهار المحكم لموقف علني منحاز ضد أحد أطراف الخصومة خلال سير أي مرحلة من مراحل التحكيم، حتى ولو كانت مرحلة لاحقة لصدور الحكم الأصلي، يخل بالضمانات الأساسية الواجب توافرها في المحكم، ويؤثر في سلامة تشكيل هيئة التحكيم.

وبناءً على ذلك، قبلت المحكمة هذا الوجه من أوجه الطعن باعتباره كافيًا لإثارة شكوك مبررة بشأن حياد المحكم.

الأسانيد القانونية للحكم

اعتمدت المحكمة في قضائها على مجموعة من المبادئ المستقرة في التحكيم الدولي، أبرزها:

أولًا، أن الاستقلال (Independence) يتعلق بغياب أي روابط موضوعية أو مصالح شخصية أو اقتصادية أو مهنية تربط المحكم بأحد أطراف النزاع، وهو معيار موضوعي يقاس بوجود علاقة يمكن التحقق منها.

ثانيًا، أن الحياد (Impartiality) يختلف عن الاستقلال، إذ يتعلق بالحالة الذهنية للمحكم ومدى خلوها من أي انحياز أو موقف مسبق تجاه أحد الخصوم، ويُقاس وفق معيار الشكوك المشروعة التي يمكن أن تتولد لدى الطرف المعني.

ثالثًا، قررت المحكمة أن دور صديق المحكمة (Amicus Curiae) يختلف بطبيعته عن أداء المحكم لدور شاهد أو خبير معين من أحد الأطراف، ولذلك لا يؤدي بذاته إلى المساس باستقلاله.

رابعًا، شددت المحكمة على أن واجب الحياد التزام مستمر يمتد طوال جميع مراحل الخصومة التحكيمية، بما يشمل الإجراءات اللاحقة على صدور حكم التحكيم، مثل طلبات التصحيح أو التفسير أو إعادة النظر.

خامسًا، أكدت المحكمة أن توقيت التصرف يعد عنصرًا حاسمًا في تقييم الحياد، فإبداء المحكم رأيًا علنيًا ضد أحد الأطراف أثناء استمرار الإجراءات التحكيمية يختلف عن إبدائه بعد انتهاء الخصومة بصورة نهائية.

المبادئ القانونية المستخلصة من الحكم

يمكن استخلاص عدد من المبادئ المهمة التي يُتوقع أن يكون لها تأثير في الممارسة العملية للتحكيم الدولي، أهمها:

1.   التفرقة بين مفهومي الاستقلال والحياد، وعدم الخلط بينهما عند تقييم سلوك المحكم.

2.   المشاركة في مذكرة Amicus Curiae  لا تشكل في حد ذاتها سببًا للتشكيك في استقلال المحكم.

3.   حياد المحكم لا يقتصر على جلسات التحكيم، وإنما يظل التزامًا قائمًا طوال جميع مراحل النزاع إلى حين انتهائه بصورة نهائية .

4.   المواقف أو التصريحات العلنية التي تُظهر انحيازًا ضد أحد أطراف الخصومة قد تثير شكوكًا مبررة بشأن حياد المحكم حتى إذا صدرت خارج إطار جلسات التحكيم.

5.   معيار (الشكوك المشروعة) يقوم على مدى ما يمكن أن يتولد لدى الطرف المعني من انطباع موضوعي بشأن حياد المحكم، وليس على ثبوت وجود انحياز فعلي.

6.   توقيت صدور التصريحات أو المواقف العامة يعد عنصرًا جوهريًا في تقييم مدى تأثيرها في حياد المحكم وسلامة تشكيل هيئة التحكيم.

خاتمة

يؤكد هذا الحكم الاتجاه الحديث في القضاء الفرنسي نحو تعزيز ضمانات العدالة الإجرائية في التحكيم الدولي، من خلال التشديد على أن واجب الحياد لا ينتهي بمجرد إصدار حكم التحكيم، وإنما يستمر طوال جميع الإجراءات المرتبطة بالنزاع. كما يبرز الحكم أن حرية المحكم في التعبير عن آرائه العامة ليست مطلقة، وإنما تقف عند الحد الذي قد يؤدي فيه التعبير العلني عن مواقف معادية لأحد الخصوم إلى زعزعة الثقة في نزاهة العملية التحكيمية. ويبعث الحكم برسالة واضحة إلى المحكمين مفادها أن المحافظة على مظهر الحياد لا تقل أهمية عن الحياد الفعلي، وأن توقيت التصريحات العامة قد يكون العامل الحاسم في تقييم مدى توافقها مع الالتزامات المهنية التي يفرضها عمل المحكم.