تسبيب أحكام التحكيم بين التشدد والتيسير

تسبيب أحكام التحكيم بين التشدد والتيسير في ضوء أحكام المحاكم العليا العربية

يأتي صدور حكم التحكيم في نهاية إجراءات التحقق من واقع النزاع المطروح على هيئة التحكيم ووقوفها على القواعد القانونية واجبة التطبيق عليه، وتعد هذه المرحلة هي مرحلة صياغة حكم التحكيم، وقد اختلف البعض في لزوم أن يكون الحكم مسببا من عدمه، كما اختلفت أيضا التشريعات في لزوم ذلك.

والأصل أن يكون الحكم مسببا -وفقا لبعض التشريعات- حيث ينص القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي في المادة (31/2) على أن "يبين في قرار التحكيم الأسباب التي بني عليها القرار ما لم يكن الطرفان قد اتفقا على عدم بيان الأسباب"

هذا الاتجاه الذي ذهب إليه القانون النموذجي للتحكيم أخذ به بعض التشريعات مثل التشريع المصري حيث تنص المادة 43/2 من قانون التحكيم المصري علي "يجب أن يكون حكم التحكيم مسبباً إلا إذا اتفق طرفا التحكيم على غير ذلك أو كان القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم لا يشترط ذكر أسباب الحكم"[1]

والتشريع القطري حيث نص في المادة 31 من قانون التحكيم القطري على "يجب أن يكون حكم التحكيم مسبباً، ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك، أو كانت القواعد القانونية الواجبة التطبيق على إجراءات التحكيم لا تشترط ذكر الأسباب"[2]

فالأصل وفقا لهذه التشريعات وجوب تسبيب أحكام التحكيم بما يسمح بالرقابة على عمل المحكم، والتأكد من إحاطته بكافة عناصر الدعوي، وان الأسباب كانت مؤدية إلى النتيجة التي انتهي إليها الحكم، وان الأسباب ليست مجرد شكل فقط.

ولكن بالنسبة لموقف القضاء العربي فقد اتجه في بعض الدول إلى تأكيد هذا الأصل؛ بينما ذهب البعض الأخر إلي عدم التشدد في ذلك؛ حيث قضت محكمة استئناف القاهرة في أحكام لها بوجوب تسبيب أحكام المحكمين، حتي تتمكن المحكمة في دعوي البطلان من الوقوف علي أوجه العوار التي قد تصيب الحكم وتؤدي إلي إبطاله، ويجب أن تبين أسباب الحكم الصادر التي استند إليها؛ إذ أن مخالفة ذلك من شأنه أن يمثل عيبا شكليا يؤدي إلي بطلان الحكم، بل أكثر من ذلك فقد اتجه قضاء هذه المحكمة إلي اعتبار أن الحكم يكون معدوم الأسباب متي كان التسبيب (مشوهًا أو غامضًا أو مبهمًا أو عامًا مجملاً يصلح لكل طلب) [3]

بينما ذهبت محكمة النقض المصرية إلى عدم لزوم تسبيب حكم التحكيم عند صياغته؛ حيث انه من المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن خلو حكم التحكيم من الأسباب لا يعد متصلا بالنظام العام إذ أجازت المادة (43) من القانون ۲۷ لسنة 1994 في شأن التحكيم الاتفاق على إعفاء هيئة التحكيم من تسيب الحكم الصادر منها [4]

كما جري القضاء بمحكمة التمييز الكويتية على عدم التشدد في بيان أسباب حكم التحكيم على النحو الذي يفعله بالنسبة لأحكام المحاكم، وفي هذا الشأن قضت محكمة التمييز الكويتية بان "المقرر في قضاء هذه المحكمة أن صحة حكم المحكمين لا تقاس بذات الأقيسة التي تقاس بها أحكام القضاء إذ يكفي لحمل حكم المحكمين على محمل الصحة أن يرد بأسبابه ملخص الوقائع التي استخلصها في المساجلة الدائرة بين الطرفين في النزاع محل التحكيم وأن يصيب في توقيع ما يحكمها من القواعد القانونية فلا يعيبه إيراده للأسباب بصفة عامة أو بطريقة مجملة مادام لم يقع في موضوعها مخالفة للقانون"[5]

أيضا ذهبت محكمة التمييز بدبي إلى أن المحكم معفي من ضوابط تسبيب الأحكام القضائية طالما لم يخالف قاعدة متعلقة بالنظام؛ حيث استقر قضائها على "وإنه وإن كان يجب أن يكون حكم المحكم مسببا إلا أنه معفي من ضوابط تسبيب الأحكام القضائية طالما لم يخالف قاعدة متعلقة بالنظام العام لأنه قد يكون من غير القانونيين، وهذا الإعفاء ينطبق – أيضا – على إجراءات الإثبات سواء كانت قد وردت في قانون الإجراءات المدنية أو قانون المعاملات المدنية أو في قانون مستقل"[6]

وبذلك نري مما سبق إن بيان أسباب الحكم عند صياغة حكم التحكيم وإن كان قد جري جعلها واجبة في اغلب التشريعات، وسايرها في ذلك أيضا بعض أحكام المحاكم بما يسمح بالرقابة على عمل المحكم، والتأكد من إحاطته بكافة عناصر الدعوي، وان الأسباب كانت مؤدية إلى النتيجة التي انتهي إليها الحكم، وان الأسباب ليست مجرد شكل فقط، إلا أن البعض الأخر لا يري عدم التشدد في تسبيب أحكام المحكمين طالما لم يخالف قاعدة متعلقة بالنظام.

لاكتساب مهارات مهارات صياغة حكم التحكيم وتجنب إبطاله أنضم للمشاركين في شهادة المحكم المحترف


المصادر

[1] قانون رقم 27 لسنة 1994 بشأن التحكيم في المواد المدنية والتجارية المصري.

[2] قانون رقم (2) لسنة 2017 بإصدار قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية القطري.

[3] محكمة استئناف القاهرة، الدائرة 62 تجاري، الدعوي رقم 2240 لسنة 111 ق، جلسة 22/5/1992

[4] نقض مصري في الطعن رقم 17259 لسنة 77ق – جلسة 11/1/2016

[5] تمييز كويتي، طعن رقم 481 لسنة ۲۰۱۱ تجاري ۳ - جلسة 5/6/2012.

[6] تمييز دبي، طعن رقم ۲۷۳ لسنة ۲۰۰6، طعن تجاري جلسة -5/3/2007