تعد المشتريات الحكومية من الركائز الجوهرية للإدارة العامة الحديثة، إذ تمثل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ما يقارب 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ونحو 29% من إجمالي الإنفاق العام. غير أن هذا الدور المحوري يقابله تعرض مرتفع لمجموعة واسعة من المخاطر التي قد تمس سلامة الإجراءات، وكفاءة الإنفاق، واستمرارية المرافق العامة، وحماية المصلحة العامة. وانطلاقاً من ذلك، يبرز تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادر عام 2023 بوصفه مرجعاً مؤسسياً يضع إطاراً متكاملاً لإدارة المخاطر في المشتريات الحكومية، مع تركيز خاص على السلع والخدمات والبنية التحتية.
ثانياً: مفهوم المخاطر وإدارة المخاطر في سياق المشتريات الحكومية
يعتمد التقرير تعريف المخاطر الوارد في معيار ISO 31000، والذي يربط الخطر بأثر عدم اليقين على تحقيق الأهداف. وفي سياق المشتريات الحكومية، يقصد بالمخاطر كل ظرف مستقبلي غير مؤكد قد يؤثر سلباً أو إيجاباً على تحقيق أهداف الشراء العام، سواء تعلق ذلك بالامتثال القانوني، أو الكفاءة الاقتصادية، أو النزاهة، أو الاستدامة البيئية والاجتماعية.
أما إدارة المخاطر، فتُعرف بوصفها عملية منهجية مستمرة تشمل تحديد المخاطر، وتقييمها، ومعالجتها، ثم مراقبتها، مع ضرورة دمج هذه العملية في مختلف مراحل دورة المشتريات، بدءً من تحديد الاحتياجات والتخطيط، مروراً بإجراءات الطرح والترسية، وانتهاءً بإدارة العقود وتنفيذها.
ثالثاً: أهمية إدارة المخاطر في المشتريات الحكومية
يؤكد التقرير أن إهمال إدارة المخاطر لا ينعكس فقط على سلامة الإجراءات التعاقدية، بل يمتد أثره إلى جودة الخدمات العامة وثقة المواطنين في الإدارة. وقد اتسع نطاق الاهتمام بالمخاطر في السنوات الأخيرة ليشمل، إلى جانب مخاطر الفساد وتعارض المصالح، مخاطر تكنولوجية ومالية وبيئية واجتماعية، فضلاً عن مخاطر سلاسل التوريد، التي برزت بوضوح خلال جائحة كوفيد-19.
وفي هذا السياق، تعتبر إدارة المخاطر أداة قانونية-إدارية لتحقيق مبدأ القيمة مقابل المال، وضمان استمرارية المرافق العامة، وتعزيز مرونة الدولة في مواجهة الأزمات، بما يتوافق مع توصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الحوكمة الرشيدة والمشتريات الحكومية.
رابعاً: دورة إدارة المخاطر وأدواتها
يقترح التقرير اعتماد دورة رباعية لإدارة المخاطر تشمل:
1. تحديد المخاطر: من خلال تحليل البيانات التاريخية، واستخدام مؤشرات الإنذار المبكر (Red Flags)، والاستفادة من النظم الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
2. تقييم المخاطر: عبر قياس احتمال وقوع الخطر وحدّة آثاره، والتمييز بين المخاطر الكامنة والمخاطر المتبقية بعد تطبيق الضوابط.
3. معالجة المخاطر: وذلك باختيار أحد البدائل الأربعة: قبول الخطر، أو الحد منه، أو نقله إلى طرف آخر (كالتحوط التعاقدي أو التأمين)، أو تجنبه كلياً.
4. مراقبة المخاطر: من خلال المتابعة الدورية وتحديث سجلات المخاطر وإشراك القيادات الإدارية في اتخاذ القرار.
ويؤكد التقرير أن هذه الدورة يجب أن تكون مرنة وقابلة للتكيّف بحسب طبيعة المشتريات وقيمتها ومدى تعقيدها.
خامساً: التمييز بين المشتريات البسيطة والمعقدة
من النقاط المركزية في التقرير التمييز بين:
- المشتريات البسيطة (غير المعقدة)، مثل السلع الجاهزة التي تتوافر لها أسواق تنافسية.
- المشتريات المعقدة، وتشمل السلع والخدمات المصممة خصيصاً، ومشروعات البنية التحتية، ومشتريات الابتكار.
ويشير التقرير إلى أن المشتريات المعقدة تنطوي على مخاطر أعلى بحكم طول مدة العقود، وتشابك أصحاب المصلحة، وعدم اليقين الفني أو المالي، ما يستوجب اعتماد استراتيجيات تعاقدية وإدارية أكثر تقدماً، وتوزيعاً مدروساً للمخاطر بين الجهة المتعاقدة والموردين.
سادساً: الاستراتيجية الوطنية لإدارة مخاطر المشتريات الحكومية
يخلص التقرير إلى أن إدارة المخاطر غالباً ما تُمارس بصورة غير رسمية أو غير موثقة داخل الجهات العامة، الأمر الذي يحد من فعاليتها. ومن ثمّ، يدعو إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة لإدارة مخاطر المشتريات الحكومية، تقوم على:
- إطار حوكمي واضح يحدد الأدوار والمسؤوليات؛
- تحديد نطاق وأهداف الاستراتيجية؛
- وضع جدول زمني للتنفيذ؛
- تحديد الآثار المحتملة ومؤشرات الأداء؛
- إنشاء آليات فعالة للمتابعة والتقييم.
ويرى التقرير أن وجود مثل هذه الاستراتيجية يعزز الاتساق المؤسسي، ويرفع من كفاءة الإنفاق العام، ويُسهم في ترسيخ ثقافة قانونية-إدارية قائمة على الاستباق والحوكمة الرشيدة
خاتمة
يمثل تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2023 مرجعاً معيارياً متقدماً في مجال إدارة المخاطر في المشتريات الحكومية، إذ يجمع بين التحليل القانوني-المؤسسي والأدوات العملية القابلة للتطبيق. ويؤكد التقرير أن الانتقال من إدارة المخاطر بصورة ردّ فعلية إلى مقاربة استراتيجية متكاملة لم يعد خياراً تنظيمياً، بل ضرورة قانونية وإدارية لضمان حماية المال العام وتحقيق التنمية المستدامة.







