المخاطر القانونية: تعريفها، أساليب إدارتها، والضوابط الأخلاقية المنظمة لها
14/02/2026

كيف ينبغي تعريف المخاطر القانونية؟

ينبغي أن يشمل الفهم المؤسسي للمخاطر القانونية كلا الأمرين الآتيين:

أولًا، الآثار القانونية المترتبة على مخاطر الأعمال،

وثانيًا، مخاطر الأعمال ذات المنشأ القانوني، مثل غموض النصوص القانونية أو قصور المخرجات القانونية من حيث الجودة أو الدقة.

كما أن تنظيم المسؤوليات وتوزيعها فيما يتعلق بفهم وإدارة المخاطر القانونية يجب، في المعتاد، أن يعكس الهيكل التنظيمي للمؤسسة وطبيعة نشاطها، مع إسناد المسؤولية إلى الجهة أو الأطراف الأقدر على التأثير في المحركات الأساسية للمخاطر والحد من آثارها.

وتشير أفضل الممارسات إلى الأهمية البالغة للثقافة المؤسسية في كيفية تعريف المخاطر القانونية وإدارتها، لما لذلك من أثر مباشر على التصورات الفعلية والمتصورة تجاه المخاطر، سواء داخل الشركة أو في تعاملاتها مع الأطراف الخارجية.

وسواء تولى القسم القانوني قيادة التعامل مع مخاطر معينة من عدمه، فإنه ينبغي أن يتمتع بالقدرة والكفاءة والدوافع والموارد اللازمة ليكون مصدرًا أساسيًا للمشورة والدعم، فضلًا عن القيام بدور فاعل في متابعة ورقابة المخاطر ذات المنشأ القانوني أو تلك التي تترتب عليها آثار قانونية.

ما أنواع التعريفات المعتمدة عمليًا؟

تبرز الحاجة إلى أن يقوم المستشارون القانونيون الداخليون بتقييم مدى وضوح وثبات تصوراتهم بشأن مفهوم المخاطر القانونية، ومدى قدرتهم على التعبير عنه بثقة واتساق.

ويتمثل أحد الإشكالات الجوهرية في تبني تعريف واسع للمخاطر القانونية باعتبارها أي آثار قانونية محتملة، في أن هذا التصور غالبًا ما يرتبط — وفقًا لما أفاد به المشاركون في المقابلات — بنهج تفاعلي (رد فعل)، يقوم على مبدأ إدراك الخطر عند ظهوره، وهو ما يحد من الثقة في القدرة على الاستشراف المسبق، وعلى تبني تفكير منهجي واستراتيجي في إدارة المخاطر القانونية.

وفي المقابل، قد يترتب على اعتماد تعريف أضيق وأكثر تركيزًا للمخاطر القانونية إشكال آخر، يتمثل في انعزال التفكير في المخاطر داخل وحدات أو أقسام محددة، بما يؤدي إلى إغفال أو التقليل من شأن المخاطر الناشئة في أجزاء أخرى من النشاط المؤسسي، والتي تنطوي على أبعاد أو تبعات قانونية.

كما يثور تساؤل واسع النطاق حول مدى إدراك الآثار المتعلقة بالسمعة المؤسسية والثقافة التنظيمية للمخاطر القانونية على سلوك العاملين داخل الشركة، ومدى قبول هذه الآثار والتعامل معها بصورة عملية وفعالة. وقد أظهر المشاركون الذين يعملون في مؤسسات تمتلك أنظمة أكثر تطورًا لإدارة المخاطر أن هذه الجوانب تكون، في الغالب، مُدمجة على نحو إيجابي ضمن تعريفات المخاطر القانونية المعتمدة لديهم.

كيف تدار المخاطر القانونية في التطبيق العملي؟

لا تزال إدارة المخاطر القانونية في مراحلها الأولية، إذ إن الافتراضات والأفكار المتعلقة بالممارسات العملية في هذا المجال لم تُستوعب بعد على نحو كافٍ، ولم تخضع للاختبار أو التقييم المنهجي.

وتبرز الحاجة إلى أن تقوم الفرق القانونية الداخلية بمراجعة مدى التزام عمليات إدارة المخاطر القانونية بالمعايير الصارمة في مجالات التقييم، والحد من المخاطر، والتواصل بشأنها، ومتابعتها، فضلًا عن التقييم الشامل لفعالية إدارة المخاطر القانونية ككل.

كما ينبغي النظر في مدى إمكانية تعريف وتصميم العمليات المختلفة على نحو متكامل ومترابط، بما يضمن اتساقها وتكاملها. ويُلاحظ في هذا السياق وجود تباين ملحوظ في الأساليب المعتمدة للحد من المخاطر القانونية ومراقبتها بين المؤسسات المختلفة.

وقد تكون أساليب إدارة المخاطر القانونية القائمة على الإجراءات الشكلية أو على الخبرة العملية وحدها عرضة لانحيازات معرفية ومهنية، الأمر الذي يستلزم أخذ هذه الانحيازات في الاعتبار عند تصميم أنظمة إدارة المخاطر. ويمكن مواجهة هذه الانحيازات من خلال المراجعة النقدية المستمرة للمناهج المتبعة، والاستعانة بمدخلات ومراجعات خارجية مستقلة، فضلًا عن جمع البيانات ذات الصلة بالمخاطر القانونية — سواء من حيث وقوعها أو من حيث أساليب إدارتها — وتحليلها وتوظيفها بصورة مدروسة.

وقد تؤدي بعض ممارسات إدارة المخاطر إلى خلق شعور مفرط بالثقة، أو إلى تبني أساليب للحد من المخاطر تقوم على نقلها من الشركة إلى أطراف ثالثة، وهو ما قد يثير تساؤلات حول مدى ملاءمة هذه الممارسات أو مشروعيتها في ظروف معينة.

وظيفة الامتثال والمخاطر القانونية

تعكس المواقف والمقاربات المتبعة في مجال الامتثال إلى حد كبير المواقف تجاه المخاطر القانونية، إذ تتراوح بين مناهج إجرائية ضيقة النطاق، وأخرى أوسع تستند إلى القيم والمبادئ المؤسسية.

وبوجه عام، تعد وظيفة الامتثال أكثر اعتمادًا على الإجراءات، وأكثر انخراطًا بصورة مباشرة في تحليل المخاطر والسلوكيات الكامنة وراءها، مقارنة بانخراطها في دراسة المحركات الجوهرية لتلك المخاطر.

وقد أشار بعض المشاركين إلى أن العاملين في مجال الامتثال يتمتعون بدرجة أعلى من الاستقلالية مقارنة بالمستشارين القانونيين الداخليين، الذين يُنظر إليهم أحيانًا على أنهم يلتزمون بأخلاقيات ولاء صارم للعميل (أي الشركة) على نحو يفوق التزامهم بوظيفة الامتثال. وفي المقابل، رأى آخرون أن وظيفتي الامتثال والشؤون القانونية متداخلتان إلى حد كبير ولا يمكن الفصل بينهما عمليًا.

كما عبر بعض المشاركين عن تصور مفاده أن وظيفة الامتثال قد تُعامل أحيانًا باعتبارها خدمة هامشية داخل المؤسسة، وهو ما يترتب عليه تحديات تتعلق بالموارد المتاحة والمكانة التنظيمية.

شهية المخاطر وصنع القرار

تم رصد ثلاثة أنماط رئيسية من المواقف تجاه المخاطر، وهي:

1.   النهج التحفّظي في التعامل مع المخاطر،

2.   ونهج قبول المخاطر،

3.   ونهج تيسير المخاطر بوصفها عنصرًا داعمًا للأعمال.

وجميع هذه الأنماط كانت محكومة برؤية النشاط المؤسسي لشهية المخاطر، والتي اتخذت في بعض الحالات طابعًا رسميًا ومُقننًا، إلا أنها كانت في الغالب غير مكتوبة، وتعكس ثقافة المؤسسة وقيمها السائدة.

وفي هذا الإطار، قد تحتاج المؤسسات إلى إعادة النظر في مدى وضوح قيادة الإدارة العليا لمسألة شهية المخاطر، ومدى استيعاب هذه الرؤية داخل المؤسسة، فضلًا عن قدرتها على التأثير الفعلي في عملية صنع القرار.

كما تبرز إمكانية أن تؤدي ممارسات إدارة المخاطر ذاتها إلى تعديل شهية المخاطر، من خلال تغيير التصورات المتعلقة بالمخاطر ومستوى الاستعداد لتحملها.

وبوجه عام، أسهمت إدارة المخاطر في زيادة شهية تحمل المخاطر، وذلك لما وفرته من قدر أكبر من الثقة في أن المخاطر مفهومة وقابلة للإدارة والسيطرة.

غير أن ذلك يفتح المجال أمام نقاش جوهري مفاده: إلى أي مدى تعكس هذه الثقة مستوى حقيقيًا من المتانة والفعالية في أنظمة إدارة المخاطر، أم أنها قد تكون ثقة مبالغًا فيها لا تستند بالضرورة إلى أسس موضوعية كافية؟

الأخلاقيات والمخاطر القانونية

تمثل إدارة المخاطر القانونية نموذجًا واضحًا للتحديات الأخلاقية التي تواجه الممارسة القانونية الداخلية داخل المؤسسات، بل وقد تسهم في تعميق هذه التحديات وتعقيدها.

إذ تعد الموضوعية والاستقلالية شرطين أساسيين لضمان دقة تقييم المخاطر وفائدته للأعمال، غير أن هذين المبدأين يظلان في حالة توتر مستمر مع الضغوط الواقعة على المستشارين القانونيين الداخليين للاندماج كأعضاء فاعلين في الفرق التجارية وداعمين لأهدافها. وتظهر هذه التوترات في صور صريحة وأخرى ضمنية، حيث توجد ضغوط مباشرة، إلى جانب انحيازات غير واعية، قد تؤدي في بعض الأحيان إلى تقويض الموضوعية المطلوبة.

كما أن تبنيلتحمل شهية لتحمّل المخاطر القانونية قد ينطوي على قبول — بل وأحيانًا الترحيب — بهامش من التسامح مع سلوكيات قد تكون غير مشروعة، أو يُحتمل بدرجة كبيرة أن تكون كذلك. ويقع هذا التوجه في تعارض محتمل مع الالتزام المهني للمحامين بتعزيز سيادة القانون، ومع التوجيهات المهنية التي تؤكد ضرورة تقديم المصلحة العامة في حسن سير العدالة باعتبارها الفيصل عند تعارض الالتزامات المهنية.

ولا تقتصر آثار هذه التوترات على الإطار المهني فحسب، بل تمتد لتؤثر في المصالح المؤسسية ذاتها، كما يتضح من عدد من الوقائع الحديثة والخطيرة المتعلقة بمخاطر السلوك، والتي شملت ادعاءات طالت محامين يعملون داخل أو لحساب مؤسسات كبرى، مما ألقى الضوء على الدور الذي قد يلعبه المحامون في تلك الإشكالات.

وعلى الرغم من ذلك، فإن نطاق وطبيعة الالتزامات المهنية المرتبطة بالمصلحة العامة لا تزال غير مفهومة على نحو كافٍ، ولم تُصَغ بصورة واضحة لا في الممارسة المهنية بوجه عام، ولا في الممارسة القانونية الداخلية على وجه الخصوص.

ويبرز في هذا السياق مجال واسع لفتح نقاش مهني جاد حول دور الفرق القانونية الداخلية، وإعادة صياغته على نحو يحقق توازنًا أفضل بين تلبية احتياجات الأعمال والوفاء بالالتزامات الأخلاقية للمهنة القانونية.

وفي هذا الإطار، يسعى مركز الأخلاقيات والقانون إلى تشجيع مثل هذا الحوار والمبادرات، وذلك بالشراكة مع المستشارين القانونيين الداخليين وقادة القطاع.

للمزيد حول مهارات حوكمة وإدارة المخاطر القانونية ، انضم للمشاركين في ورشة عملية في شرم الشيخ 15:13 ابريل ، للتسجيل أضغط هنا