محكمة النقض تقرر بطلان شرط التحكيم في منازعات العمل الفردية
23/11/2025

بتاريخ 10 يناير 2024 أصدرت محكمة النقض – الدائرة العمالية (الأربعاء "ب") حكمًا مهمًا في الطعن رقم 1832 لسنة 83 قضائية، تناول إشكالية جوهرية تتكرر كثيرًا في علاقات العمل، وهي:

هل يجوز الاتفاق على التحكيم في منازعات العمل الفردية؟ وهل يعتدّ بإقرار العامل باللجوء للتحكيم؟

جاء هذا الحكم ليحسم الجدل، وليقرر مبدأً بالغ الأهمية مفاده أن التحكيم في المنازعات العمالية الفردية يقع باطلًا لمخالفته النظام العام، وأن الاختصاص ينعقد حصريًا للمحكمة العمالية دون غيرها.

ملخص الوقائع

ترجع وقائع النزاع إلى أن الطاعن كان يعمل محاميًا لدى شركة إيديتا للصناعات الغذائية منذ عام 2007. وفي عام 2011 قررت الشركة نقل تبعية الإدارة القانونية إلى إدارة أخرى يترأسها شخص غير محامٍ. شعر العامل أن هذا الإجراء يمس طبيعة عمله واستقلاليته، فتقدم باستقالته، ثم أقام دعوى يطالب فيها بـ:

  • تعويض عن سنوات الخدمة،
  • بدل مهلة الإخطار،
  • بدل رصيد الإجازات،
  • تعويض أدبي.

غير أن محكمة أول درجة قضت بعدم الاختصاص الولائي استنادًا إلى وجود إقرار من العامل باللجوء للتحكيم عند نشوء أي نزاع. طعن العامل بالاستئناف، فأيدت محكمة الاستئناف الحكم.

فلجأ العامل إلى محكمة النقض للطعن على الحكم.

الإشكالية القانونية التي ناقشها الحكم

ركزت محكمة النقض على مسألة محورية:

هل يجوز قانونًا الاتفاق على التحكيم في منازعات العمل الفردية؟ وهل يعد توقيع العامل على إقرار أو تعهد باللجوء للتحكيم اتفاقًا صحيحًا يعتد به؟ وهل يملك صاحب العمل والعامل الاتفاق على استبعاد المحكمة العمالية المختصة؟

ارتبطت هذه الإشكالات بالنصوص الآمرة في قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 وتعديلاته بالقانون 180 لسنة 2008، والتي خوّلت المحاكم العمالية الاختصاص الحصري بنظر المنازعات الفردية.

حيثيات محكمة النقض

أولًا: أحكام قانون العمل من النظام العام

أكدت المحكمة أن قواعد قانون العمل – في خصوص الاختصاص القضائي – قواعد آمرة تتعلق بالنظام العام، ولا يجوز الاتفاق على مخالفتها.

ومن ثم، فإن أي شرط أو اتفاق يمس حقًا مقررًا للعامل يعد باطلًا بطلانًا مطلقًا.

ثانيًا: بطلان شرط التحكيم في منازعات العمل الفردية

استندت المحكمة إلى المادة 5 من قانون العمل التي تبطل أي شرط ينتقص من حقوق العامل.

وخلصت إلى أن:

اتفاق التحكيم في منازعات العمل الفردية غير جائز قانونًا وباطل من تلقاء نفسه.

ثالثًا: اختصاص حصري للمحكمة العمالية

أشارت المحكمة إلى التعديلات الصادرة بالقانون 180 لسنة 2008 التي قررت أن المحكمة العمالية هي المختصة وحدها بنظر المنازعات الفردية، وأنه يجب على جميع المحاكم الأخرى إحالة ما لديها من دعاوى عمالية إليها دون رسوم.

رابعًا: خطأ محكمة أول درجة والاستئناف

اعتبرت محكمة النقض أن القضاء بعدم الاختصاص استنادًا لإقرار التحكيم يشكل خطأ في تطبيق القانون، لأن الإقرار نفسه باطل ولا يعتد به.

المبادئ التي أرساها الحكم

1.  بطلان التحكيم في المنازعات العمالية الفردية: قضت المحكمة بعدم جواز اللجوء إلى التحكيم في المنازعات الفردية الناشئة عن علاقة العمل.

2.  الاختصاص الحصري للمحكمة العمالية: ينعقد الاختصاص بنظر دعوى التعويض وبدل مهلة الإخطار وبدل الإجازات لمحكمة العمالية دون غيرها.

3.  إقرار العامل بالتحكيم لا ينشئ التزامًا ولا يقيد حقه في التقاضي: توقيع العامل على إقرار أو تعهد باللجوء للتحكيم لا ينتج أثرًا قانونيًا.

وبناءً عليه، قضت محكمة النقض بـ:

  •      نقض الحكم المطعون فيه.
  •   إلزام الشركة المطعون ضدها بالمصروفات ومائتي جنيه أتعاب محاماة.
  •   بطلان الحكم المستأنف.
  •    إحالة القضية إلى الدائرة العمالية بمحكمة الجيزة الابتدائية للفصل في الموضوع.

خاتمة

يعد هذا الحكم من الأحكام الفاصلة في تنظيم المنازعات العمالية؛ إذ رسخ مبدأً مهمًا يتمثل في أن التحكيم في منازعات العمل الفردية يخالف النظام العام، وأن القضاء العمالي هو الملاذ الوحيد للفصل فيها. كما يحمي هذا الحكم العامل من أي شروط مجحفة تُفرض عليه عند التعاقد أو أثناء العمل، ويعزز ضمانات اللجوء للقضاء المختص. وبذلك يسهم الحكم في توحيد الاجتهاد القضائي وتأكيد الطبيعة الآمرة لقانون العمل.