يثير حكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في 5 فبراير 2026 إشكالية دقيقة تتعلق بمدى جواز اتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري على أموال دولة خاضعة للتجميد بموجب لوائح العقوبات الأوروبية دون الحصول مسبقًا على ترخيص إداري من السلطة المختصة. وتكمن أهمية هذه الإشكالية في تعارض ظاهر بين حق الدائن في تنفيذ حكم التحكيم بعد منحه الصيغة التنفيذية، وبين القيود المفروضة بموجب قواعد العقوبات ذات الطبيعة الآمرة، فضلًا عن التساؤل حول ما إذا كان التجميد يؤثر في مشروعية الحجز ذاته أم يقتصر أثره على مرحلة صرف الأموال.
ملخص الوقائع
حصلت شركة الخرافي الكويتية على حكم تحكيمي ضد ليبيا بمبلغ يقارب 936 مليون دولار، وتم تذييل الحكم بالصيغة التنفيذية في فرنسا. سعت الشركة إلى التنفيذ عن طريق الحجز لدى الغير على أموال تعود إلى الهيئة الليبية للاستثمار، وهي جهة مدرجة ضمن لائحة العقوبات الأوروبية رقم 2016/44، بما يترتب عليه تجميد أصولها.
ورغم حصول الشركة على أمر قضائي بالحجز، قضت محكمة استئناف باريس بإبطاله تأسيسًا على خضوع الأموال للتجميد، مما استدعى الطعن أمام محكمة النقض الفرنسية التي كان عليها الفصل في مسألة مدى لزوم الترخيص الإداري المسبق من الخزانة الفرنسية قبل مباشرة الحجز.
الحكم وأسانيده القانونية
أيدت محكمة النقض حكم محكمة الاستئناف، وقررت بوضوح أن الترخيص الإداري المسبق من الخزانة الفرنسية يعد شرطًا لازمًا لصحة إجراء الحجز على الأموال المجمدة، وليس مجرد شرط لصرف المبالغ المحجوزة.
واستندت المحكمة إلى جملة من الأسانيد القانونية، أبرزها:
1. أن الحجز لدى الغير يؤدي بطبيعته إلى تحويل فوري للمبالغ المحجوزة إلى ذمة الدائن، وهو ما يتعارض مع نظام التجميد الذي يمنع أي تصرف أو نقل للأموال دون ترخيص.
2. أن أثر التجميد لا يقتصر على تعطيل فعالية الحجز، بل يمتد إلى المساس بصحته القانونية ذاتها، بما يجعل الإجراء باطلًا إذا تم دون إذن إداري مسبق.
3. أن الترخيص القضائي المنصوص عليه قانوناً لا يغني عن الترخيص الإداري المطلوب بموجب لائحة العقوبات الأوروبية.
4. تكريس مبدأ سمو القانون الأوروبي، بحيث لا يجوز للقواعد الإجرائية الوطنية أن تتحايل على متطلبات لوائح الاتحاد، مما يوجب صدور الترخيص الإداري قبل الإذن القضائي بالتنفيذ.
وبناءً عليه، قررت المحكمة أن قاضي التنفيذ لا يملك الترخيص بالحجز في غياب موافقة الخزانة، ومن ثم أُبطل أمر الحجز.
المبادئ التي استقرت عليها المحكمة
أرست محكمة النقض من خلال هذا الحكم عدة مبادئ مهمة يمكن إجمالها فيما يأتي:
1. أن التجميد المفروض بموجب لوائح العقوبات الأوروبية يؤثر في صحة إجراءات التنفيذ الجبري لا في فعاليتها فقط.
2. أن الترخيص الإداري المسبق شرط لازم لمشروعية الحجز على الأموال المجمدة، ويجب أن يسبق الترخيص القضائي.
3. أن الحصول على الصيغة التنفيذية للحكم التحكيمي لا يكفي بذاته لمباشرة التنفيذ على أموال خاضعة للتجميد.
4. أن قواعد القانون الأوروبي تسمو على القواعد الإجرائية الوطنية، ولا يجوز الالتفاف عليها بحجة حماية حقوق الدائنين.
أن التنفيذ على الأموال المجمدة ليس إجراءً قضائيًا بحتًا، بل يخضع لنظام مزدوج يجمع بين الرقابة الإدارية والقضائية.
خاتمة
يؤكد الحكم اتجاه القضاء الفرنسي إلى تشديد الرقابة على تنفيذ الأحكام التحكيمية ضد أصول الدول الخاضعة للعقوبات، بما يوازن بين احترام حجية الأحكام واعتبارات النظام العام الدولي المرتبطة بتجميد الأموال. كما يضع الدائنين أمام مسار إجرائي مزدوج يوجب الحصول على المفتاح الإداري قبل ولوج الباب القضائي، وهو ما يعكس تغليب متطلبات الامتثال للعقوبات على اعتبارات سرعة وفعالية التنفيذ.
نقلاً عن: إيوانا نول تيودور (Ioana Knoll-Tudor)
محامية تحكيم دولي، وشريك بشركة أدليشو جودارد (Addleshaw Goddard)، والسكرتير العام لمؤسسة (Paris Arbitration Week(PAW))، ونائب رئيس نادي التحكيم الاسباني برومانيا (Club Espanol de Arbitraje (CEA) Romania)







