يثير الحكم الصادر عن محكمة استئناف باريس بتاريخ 20 يناير 2026 إشكالية محورية في التحكيم الدولي، مفادها: هل تكفي مزاعم الفساد— مهما بلغت خطورتها — لتبرير أوامر واسعة بإنتاج الأدلة خلال مرحلة الطعن بالبطلان؟
يأتي هذا الحكم ليحسم نطاق سلطة القاضي في دعوى البطلان، ويؤكد أن الرقابة القضائية في هذه المرحلة رقابة محدودة لا تحولها الادعاءات إلى إعادة نظر في موضوع النزاع.
أولًا: ملخص الوقائع
تعلق النزاع بمشروع Manono لاستخراج الليثيوم في جمهورية الكونغو الديمقراطية. حيث ادعت شركة AVZI—بصفتها المساهم الأغلبية—أن نقل 15% من الأسهم إلى شركة Jin Cheng Mining (JCM)، التابعة لمجموعة صينية، خالف حق الشفعة وكان مشوبًا بالفساد.
باشرت JCM تحكيمًا وفق قواعد غرفة التجارة الدولية لطلب الاعتراف بها كمساهم. غير أن المحكم الفردي قضى بعدم اختصاصه، دون الفصل في صحة نقل الأسهم أو ادعاءات الفساد.
خلال دعوى البطلان المقامة من JCM، طلبت AVZI إصدار أوامر بإنتاج مستندات، وانتداب إنابة قضائية في الكونغو الديمقراطية، وسماع شاهد، لإثبات وجود اتفاق فاسد وراء الاستحواذ، بزعم أن ذلك يؤثر مباشرة في مسألة اختصاص المحكم.
ثانيًا: الحكم وأسانيده القانونية
قضت المحكمة برفض جميع طلبات الإثبات، مستندًا إلى المبادئ الآتية:
1. سلطة تقديرية مقيدة: للمحكمة أن تأمر بإنتاج الأدلة إذا كانت محددة تحديدًا كافيًا ومفيدة لحسم النزاع، على أن تكون الإجراءات معقولة ومتناسبة مع الغاية المنشودة.
2. انتفاء الصلة بالسبب المثار في دعوى البطلان: بما أن المحكم قضى بعدم الاختصاص دون أن يفصل في صحة نقل الأسهم أو في ادعاءات الفساد، فإن هذه المسائل غير حاسمة بالنسبة لرقابة المحكمة.
3. حدود رقابة المحكمة: لا تشمل رقابة المحكمة في دعوى البطلان بحث صحة التصرفات الجوهرية أو إعادة فتح موضوع النزاع، ما لم تكن ذات صلة مباشرة بأحد أسباب البطلان المقررة قانونًا.
4. عدم الملاءمة: خلصت المحكمة إلى أن الأدلة المطلوبة بشأن الفساد غير ذات صلة بفحص أسباب البطلان، ومن ثم رفضت كذلك الإنابة القضائية وسماع الشاهد.
ثالثًا: المبادئ التي قررتها المحكمة
- ادعاء الفساد، بذاته، لا يبرر توسيع نطاق الإثبات في دعوى البطلان.
- الصلة والملاءمة شرط لازم فلا تُقبل أوامر الإثبات إلا إذا كانت الأدلة مرتبطة مباشرة بأحد أسباب البطلان.
- دعوى البطلان ليست درجة تقاضٍ ثانية ولا وسيلة لإعادة مناقشة الموضوع أو استكمال ما فات الخصوم أمام هيئة التحكيم.
- التناسب الإجرائي يحكم أوامر الإثبات، حمايةً لاقتصاد الخصومة ومنعًا لتحويل دعوى البطلان إلى تحقيق موضوعي.
خاتمة
يرسخ حكم محكمة استئناف باريس اتجاهًا قضائيًا واضحًا يوازن بين مكافحة الفساد وحماية نهائية التحكيم. فبينما تظل ادعاءات الفساد ذات خطورة خاصة، فإن مرحلة البطلان ليست مسرحًا لإعادة فتح النزاع. فالعبرة — كما أكدت المحكمة — بمدى الصلة القانونية بين الدليل المطلوب وسبب البطلان المثار. وبذلك، يقدم الحكم معيارًا عمليًا يحول دون إساءة استعمال إجراءات الإثبات، ويعزز استقرار التحكيم الدولي دون التفريط في الضمانات الأساسية.
نقلاً عن: إيوانا نول تيودور (Ioana Knoll-Tudor)
محامية تحكيم دولي، وشريك بشركة أدليشو جودارد (Addleshaw Goddard)، والسكرتير العام لمؤسسة (Paris Arbitration Week(PAW))، ونائب رئيس نادي التحكيم الاسباني برومانيا (Club Espanol de Arbitraje (CEA) Romania)







