المحامين بين ضغوط المهنة وتحديات الصحة النفسية
02/09/2025

يكشف تقرير Bloomberg Law  لعام 2024 حول رفاه المحامين عن فجوة مقلقة بين إدراك المحامين لأهمية الصحة النفسية والجسدية من جهة، وسلوكياتهم العملية في مواجهة هذه التحديات من جهة أخرى. فبينما يقيم المحامون رفاههم الشخصي بدرجة عالية على سلم الأولويات المهنية، تظهر النتائج أنهم يرزحون تحت ضغوط مهنية تؤدي إلى تراجع الصحة النفسية والجسدية، مع ضعف واضح في الاستفادة من الموارد المتاحة لهم.

أولاً: حالة الرفاه في الوسط القانوني

أفاد المشاركون في الاستطلاع أن متوسط تقييم رفاههم الشخصي بلغ 6.5 من 10، مع تسجيل الفئة الأصغر سناً (25-34 عاماً) أدنى المستويات. كما أظهرت النتائج أن 31% من المحامين شهدوا تحسناً في رفاههم منذ بداية 2024، بينما أقر 26% بتراجعه. وتعزى هذه الفجوة إلى ظاهرة الاحتراق الوظيفي التي طالت نحو نصف الممارسين، حيث تعمل الغالبية بما يقارب 50 ساعة أسبوعياً، وتضطر للعمل حتى في أيام الإجازة.

ثانياً: أبرز التحديات الصحية

يتصدر اضطراب النوم والقلق قائمة المشكلات الصحية التي يعاني منها المحامون بنسبة تفوق 50%. كما برزت مشكلات أخرى مثل تراجع الطاقة والتركيز، تدني المزاج، الاكتئاب، وصعوبات في العلاقات الشخصية. إضافة إلى ذلك، أظهر الاستطلاع أن 48% يعانون من صعوبة في التركيز و45% من عدم القدرة على الانفصال عن العمل، ما يعكس اختلال التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.

ثالثاً: العلاج وآليات التكيف

رغم إقرار شريحة واسعة من المحامين بحاجة إلى دعم نفسي، فإن أكثر من 40% يؤجلون أو يمتنعون عن طلب العلاج. وكان ضيق الوقت السبب الرئيسي وراء ذلك، يليه الاعتقاد بالقدرة على التعامل مع المشكلات ذاتياً. في المقابل، يعتمد المحامون على آليات متنوعة مثل ممارسة الرياضة والهوايات. 

رابعاً: الأثر على المهنة

تتجاوز تداعيات هذه الأوضاع الأفراد لتطال المهنة ككل؛ إذ أكد 62% من المحامين أنهم صادفوا زملاء يعانون من إشكالات نفسية أو سلوكية تؤثر في عملهم. هذه الظاهرة تنذر بمخاطر أخلاقية ومهنية، قد تمتد إلى المسؤولية الانضباطية والدعاوى المتعلقة بالإهمال المهني. كما أن 48% من المحامين يدرسون ترك وظائفهم أو الانفتاح على فرص بديلة، والسبب الأبرز لذلك هو الرغبة في تقليل الضغوط المهنية.

خامساً: الموارد المتاحة

تظهر البيانات أن المؤسسات القانونية بدأت في توفير برامج دعم مثل تغطية العلاج النفسي، التدريب على الرفاه، وتطبيقات التأمل. ومع ذلك، فإن نسبة كبيرة من المحامين لا يستفيدون منها، مما يفاقم الفجوة بين ما يعلن من أولويات وما يمارس على أرض الواقع. كما أن 27% من المشاركين غير مدركين لوجود برامج المساعدة المهنية (LAPs) في مناطقهم، ورغم معرفة البقية بها، فإن أقل من 10% فقط استفادوا منها.

خاتمة

يرسم التقرير صورة واضحة عن مفارقة مهنية؛ حيث يرفع المحامون شعار أهمية الرفاه، لكنهم يقعون في دائرة الإنهاك، والعزوف عن طلب المساعدة، والاعتماد على أنماط غير صحية للتكيف. وهو ما يضع المؤسسات القانونية أمام مسؤولية مضاعفة لإعادة هيكلة بيئة العمل، وتبني برامج عملية للوقاية والدعم، بما يحفظ كرامة المهنة ويعزز استدامتها.