حوكمة الشركات في ضوء تقرير OECD لعام 2025
24/12/2025

تعد حوكمة الشركات أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار الأسواق المالية، وحماية المستثمرين، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام. وفي هذا السياق، أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)  تقريرها الدوري OECD Corporate Governance Factbook 2025، بوصفه مرجعًا دوليًا جامعًا يستعرض الأطر القانونية والتنظيمية والمؤسسية لحوكمة الشركات في 52 دولة، مع التركيز على مدى التزامها وتطبيقها لمبادئ G20/OECD  لحوكمة الشركات. ويكتسب هذا التقرير أهمية خاصة كونه يعكس أحدث التطورات حتى نهاية عام 2024، في ظل تحولات اقتصادية وجيوسياسية وتكنولوجية متسارعة.

أولًا: الإطار العام وأهداف التقرير

ينطلق التقرير من ثلاثة أهداف للسياسات العامة، تمثل جوهر مبادئ حوكمة الشركات المعتمدة دوليًا، وهي:

1.   تيسير وصول الشركات إلى التمويل ولا سيما عبر أسواق رأس المال.

2.   حماية المستثمرين وضمان العدالة والشفافية في التعاملات.

3.   تعزيز استدامة الشركات ومرونتها بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الكلي.

ويؤكد التقرير أن الحوكمة الرشيدة لم تعد مسألة تنظيمية فحسب، بل أداة استراتيجية لبناء الثقة في الأسواق ودعم الاستقرار المالي طويل الأجل.

ثانيًا: تطورات أسواق رأس المال وهيكل الملكية

يشير التقرير إلى أن عدد الشركات المدرجة عالميًا بلغ نحو 44 ألف شركة بنهاية عام 2024، بقيمة سوقية إجمالية تقارب 125 تريليون دولار أمريكي، مع استمرار ظاهرة الشطب من البورصات، حيث تجاوز عدد الشركات التي خرجت من الأسواق العامة منذ 2005 أكثر من 35 ألف شركة.

ومن أبرز التحولات الهيكلية:

  • تصاعد دور المستثمرين المؤسسيين الذين باتوا يمتلكون نحو 47% من إجمالي الأسهم المدرجة عالميًا.
  • تفوق الطرح الثانوي للأسهم على الطروحات الأولية، حيث جمع تمويلًا يفوقها بمعدل 2.5 مرة خلال العقد الأخير.
  • توسع كبير في سوق السندات للشركات غير المالية، التي أصبحت مصدرًا رئيسيًا للتمويل طويل الأجل، مع ما يترتب على ذلك من آثار قانونية تتعلق بشروط السندات والقيود التعاقدية (Covenants) ودورها في حوكمة الشركات. 

ثالثًا: الأطر القانونية والتنظيمية لحوكمة الشركات

يبرز التقرير أن ما يقرب من ثلثي الدول المشمولة قامت بتحديث أطرها التشريعية والتنظيمية لحوكمة الشركات خلال عامي 2023–2024. كما أن الغالبية العظمى من الدول تعتمد مدونات وطنية لحوكمة الشركات، غالبًا وفق مبدأ الالتزام أو التفسير .(Comply or Explain)

كذلك، أنشأت معظم الدول هيئات تنظيمية مختصة بالإشراف على حوكمة الشركات، مع وضع قواعد تتعلق بتشكيل مجالس إدارتها، ومدد العضوية، وضمان الاستقلال المؤسسي، بما يعزز من فعالية الرقابة والتنفيذ.

رابعًا: حقوق المساهمين ووظائف الملكية

يولي التقرير اهتمامًا خاصًا بحقوق المساهمين باعتبارها جوهر الحوكمة الرشيدة، ومن أبرز التطورات في هذا الصدد:

  • تشديد قواعد الإفصاح والموافقة على معاملات الأطراف ذات الصلة، حيث تشترط الغالبية موافقة مجلس الإدارة والإفصاح الفوري عنها.
  • التوسع في السماح بعقد الجمعيات العامة الافتراضية أو الهجينة، وهو تطور قانوني دائم نشأ في الأصل خلال جائحة كوفيد-19.
  • تعزيز أطر التصويت بالوكالة والإفصاح عن نتائج التصويت ومحاضر الاجتماعات.
  • تصاعد تنظيم دور المستثمرين المؤسسيين من خلال مدونات السلوك الاستثماري (Stewardship Codes)، مع إلزامهم بالإفصاح عن سياسات التصويت وإدارة تعارض المصالح.

خامسًا: مجلس الإدارة – الاستقلال والمساءلة

أكد التقرير على تزايد الاهتمام بدور مجلس الإدارة باعتباره المسؤول الأول عن التوجيه الاستراتيجي والرقابة، ومن أبرز الاتجاهات:

  • الفصل بين منصبي رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي في معظم الدول.
  • توسيع مسؤوليات المجلس لتشمل إدارة المخاطر والرقابة الداخلية.
  • تعزيز الشفافية في ترشيح أعضاء المجلس والإفصاح عن مؤهلاتهم.
  • إخضاع سياسات وأجور الإدارة التنفيذية لموافقة المساهمين في عدد متزايد من الدول.
  • إحراز تقدم ملحوظ في التنوع بين الجنسين داخل مجالس الإدارة، سواء من خلال الإفصاح الإلزامي أو اعتماد حصص تمثيلية.

سادسًا: حوكمة الاستدامة والإفصاح غير المالي

يخصص التقرير فصلًا كاملًا لحوكمة الاستدامة، باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لحوكمة الشركات الحديثة. وتشمل أبرز الملامح:

  • إلزام غالبية الدول بالإفصاح عن المعلومات المتعلقة بالاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة .(ESG)
  • إدخال متطلبات مراجعة وتأكيد (Assurance) المعلومات غير المالية لضمان موثوقيتها.
  • تحديد مسؤوليات واضحة لمجالس الإدارة في الإشراف على سياسات الاستدامة.
  • بدء تنظيم نشاط وكالات التصنيف ومؤشرات ESG لما لها من تأثير مباشر على قرارات المستثمرين.

خاتمة

يخلص تقرير OECD Corporate Governance Factbook 2025  إلى أن أطر حوكمة الشركات تشهد تطورًا ملموسًا نحو مزيد من الشفافية والمساءلة والاستدامة، بما يتماشى مع المبادئ الدولية المعتمدة. كما يؤكد أن الحوكمة لم تعد مسألة داخلية تخص الشركات وحدها، بل أصبحت عنصرًا محوريًا في تحقيق الاستقرار المالي، وحماية المدخرات، ودعم النمو الاقتصادي طويل الأجل. وعليه، يمثل التقرير مرجعًا لا غنى عنه للمشرعين، والهيئات الرقابية، والباحثين القانونيين، وصناع القرار في مجال حوكمة الشركات.