بتاريخ 9 ديسمبر 2025 أصدرت محكمة الاستئناف في باريس حكمًا مهمًا في قضية ورثة سلطان سولو ضد ماليزيا، تناولت فيه إشكالية محورية في القانون الدولي للتحكيم:
هل يبقى شرط التحكيم قائمًا إذا زالت الصفة التي بُني عليها اختيار المحكم المعين؟
هذا التساؤل أعادته المحكمة إلى الواجهة بعد تقديم مستند جديد هو النسخة الكاملة لرسالة القنصل البريطاني تريشر لعام 1878، مما استدعى إعادة فحص مدى قابلية شرط التحكيم للتنفيذ.
ملخص الوقائع
ترجع جذور النزاع إلى اتفاق عام 1878 بين سلطان سولو وشخصيات خاصة، منحهم بموجبه حقوقًا على جزء من جزيرة بورنيو (صباح) مقابل مدفوعات سنوية له ولورثته.
عقب انضمام صباح إلى ماليزيا عام 1963، واصلت ماليزيا الوفاء بالاتفاق حتى توقفت عن السداد عام 2013.
باشر ورثة السلطان إجراءات التحكيم، وحكم المحكم باختصاصه بنظر الدعوى وأصدر حكمًا نهائيًا لصالحهم بمبلغ 14.92 مليار دولار.
وفي حكم سابق عام 2023، رفضت محكمة باريس منح الصيغة التنفيذية للحكم الجزئي، معتبرة أن صفة الجهة المحددة للنظر في النزاعات لم تعد قائمة، مما جعل الشرط التحكيمي غير قابل للتطبيق.
لكن تقديم النص الكامل لرسالة تريشر أعاد النقاش حول نية الأطراف ومدى ارتباط رضاهم بصفة محددة.
الحكم وأسانيده القانونية
أكدت المحكمة استمرار حجية حكمها الصادر عام 2023 من حيث المبدأ، لكنها رأت أن المستند الجديد يبرر إعادة تحليل الإشكالية.
وخلصت المحكمة إلى ما يلي:
1. وجود اتفاق تحكيم، لكن مشروط بصفة محددة
اعترفت المحكمة بأن البند موضوع النزاع يشكل اتفاقًا على التحكيم، إلا أن تشغيله كان مشروطًا بقيام صفة محددة هي صفة القنصل البريطاني العام.
النص الكامل للرسالة أظهر بوضوح أن قبول الأطراف لآلية التحكيم كان مرهونًا بهذه الصفة تحديدًا.
2. ارتباط الإرادة بصفة لا بشخص Intuitu Officium
بينت المحكمة أن اختيار القنصل لم يكن متعلقاً بشخصه (intuitu personae)، بل بصفته (intuitu officium).
ومع زوال هذه الصفة تاريخيًا، أصبح تنفيذ شرط التحكيم مستحيلًا دون اتفاق جديد بين الأطراف، وهو ما لم يحدث.
3. بطلان الحكم لخطأ المحكم في الحكم باختصاصه
انتهت المحكمة إلى أن المحكم قد أخطأ في حكمه بالاختصاص، وبالتالي أبطلت الحكم النهائي استنادًا إلى عدم الاختصاص.
المبادئ القانونية التي استقر عليها أو أقرها الحكم
1. إمكانية زوال شرط التحكيم إذا كان مرتبطًا بشكل عضوي بصفة أو وظيفة محددة تختفي لاحقًا.
2. التمييز بين التحكيم intuitu personae والتحكيم intuitu officium، واعتبار الثاني باطلًا بزوال الصفة المحددة.
3. ضرورة تفسير رضا الأطراف تفسيرًا دقيقًا، بحيث لا يُفترض قيام شرط التحكيم إذا تغيرت الظروف التي بُني عليها.
4. أن اختصاص المحكم ليس أمرًا مفترضًا، ويمكن للمحاكم الرقابية التصدي له متى تبيّن عدم وجود اتفاق صالح.
5. التأكيد على مخاطر المبالغة في تخصيص آليات التحكيم، وأن الإفراط في الدقة قد يجعل الشرط غير قابل للتنفيذ.
خاتمة
يقرر الحكم درسًا مهمًا في صياغة شروط التحكيم:
الدقة مطلوبة، لكن الإفراط في التخصيص قد يجعل الشرط عديم الجدوى.
فقد أثبتت قضية سلطان سولو أن ربط التحكيم بصفة محددة — بمجرد زوالها — يؤدي إلى تعطل الاتفاق برمته، وهو ما نتج عنه بطلان حكم ملياري كان من شأنه إحداث أثر دولي واسع.
نقلاً عن: إيوانا نول تيودور (Ioana Knoll-Tudor)
محامية تحكيم دولي، وشريك بشركة أدليشو جودارد (Addleshaw Goddard)، والسكرتير العام لمؤسسة (Paris Arbitration Week (PAW))، ونائب رئيس نادي التحكيم الاسباني برومانيا (Club Espanol de Arbitraje (CEA) Romania)







