تميز دبي: تضع ضوابط انتقال شرط التحكيم في تسهيل ائتماني
28/02/2026

صدر الحكم عن محكمة التمييز بدبي في الطعن رقم 1685 لسنة 2025 طعن تجاري، بجلسة الثلاثاء الموافق 30 ديسمبر 2025. وتتمحور الإشكالية القانونية التي عالجها الحكم حول سؤال دقيق في مجال التحكيم وحوالة الحق، مؤداه:

هل يمتد شرط التحكيم المتفق عليه بين المدين والمحال عليه إلى المحال إليه إذا كان انتقال الحق سابقًا على إبرام اتفاق التحكيم؟

وهي مسألة تتقاطع فيها قواعد الأثر النسبي للعقد، ونظرية انتقال ملحقات الحق المحال، والطبيعة القانونية لاتفاق التحكيم.

ثانيًا: ملخص الوقائع

تتحصل الوقائع في أن بنكًا منح شركةً تسهيلاتٍ ائتمانية لصالح أحد عملائه، وضمانًا لتلك التسهيلات أبرم العميل حوالة حق لصالح البنك، تضمنت إحالة جميع الحقوق الناشئة عن خطاب ترسية أعمال إلى البنك.

وقد تم إخطار صاحب العمل في عقد المقاولة المحال عليه بالحوالة، علمًا بأن خطاب الترسية كان يحيل إلى عقد مقاولة لم يكن قد أُبرم بعد.

لاحقًا، أبرمت الشركة عقد المقاولة، وتضمن ملحق الشروط العامة لهذا العقد شرطًا للتحكيم.

وبعد إخلال الشركة بسداد المديونية المستحقة للبنك، أقام البنك دعوى أمام القضاء ضد صاحب العمل في عقد المقاولة (المحال عليه) استنادًا إلى حوالة الحق وخطاب الترسية. فتمسك صاحب العمل في عقد المقاولة بشرط التحكيم الوارد فيه.

قضت محكمة أول درجة برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لوجود شرط التحكيم، وأيدتها محكمة الاستئناف. فطُعن في الحكم بطريق التمييز.

ثالثًا: الحكم وأسانيده القانونية

قضت محكمة التمييز برفض الطعن، وأقرت سلامة ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه، مؤسِّسة قضاءها على الأسانيد التالية:

1.  مبدأ الأثر النسبي للعقد

قررت المحكمة أن الأصل في العقود — ومنها اتفاق التحكيم — أنها لا ترتب آثارها إلا بين أطرافها، فلا تنشئ حقوقًا أو التزامات في مواجهة الغير، إعمالًا لمبدأ الأثر النسبي.

2.  انتقال شرط التحكيم إلى الخلف العام أو الخاص

بينت المحكمة أن اتفاق التحكيم — شرطًا كان أو مشارطة — ينتقل إلى الخلف العام أو الخاص باعتباره من توابع العقد، ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك.

وبالنسبة لحوالة الحق، فإن اتفاق التحكيم المبرم بين الدائن المُحيل والمدين المحال عليه ينتقل إلى المحال له بوصفه من ملحقات الحق المحال.

3.  توقيت انتقال الحق وأثره في انتقال شرط التحكيم

استظهرت المحكمة من الأوراق أن:

  • خطاب الترسية — الذي نشأ عنه الحق المُحال به — خلا من أي شرط تحكيم.
  • كما خلا من إحالة واضحة إلى عقد نموذجي أو وثيقة تتضمن شرط تحكيم.
  • وأنه كان سابقًا في تاريخه على عقد المقاولة الذي تضمن شرط التحكيم.

ومن ثم، فإن الحق المُحال به قد انتقل إلى البنك المحال له قبل إبرام اتفاق التحكيم، مما ينفي القول بأن شرط التحكيم يعد من توابع الحق المحال؛ إذ لا يتصور انتقال تابع لم يكن موجودًا وقت انتقال الأصل.

4.  نفاذ حوالة الحق في مواجهة المدين

وأشارت المحكمة إلى أنه في ظل غيبة نصوص خاصة تنظم نفاذ حوالة الحق في التشريعات المعمول بها في إمارة دبي، يُرجع إلى القواعد العامة، ويكفي لتمام نفاذ الحوالة في مواجهة المدين المحال عليه (صاحب العمل في عقد المقاولة) ثبوت علمه بها، بأية وسيلة صريحة أو ضمنية.

وبما أن حوالة الحق كانت نافذة قبل إبرام شرط التحكيم، فإن الأخير لا يسري في مواجهة البنك.

رابعًا: المبادئ التي قررتها المحكمة

يمكن استخلاص المبادئ الآتية من الحكم:

1.   اتفاق التحكيم يخضع لمبدأ الأثر النسبي للعقد، فلا يُحتج به إلا بين أطرافه.

2.   ينتقل شرط التحكيم إلى الخلف العام أو الخاص باعتباره من ملحقات الحق، ما لم يوجد اتفاق مخالف.

3.   في حوالة الحق، ينتقل إلى المحال له الحق بملحقاته القائمة وقت انتقاله، ولا يشمل ما يُستحدث بعد ذلك.

4.   لا يعد شرط التحكيم من توابع الحق المُحال به إذا أُبرم بعد انتقاله.

5.   يكفي لتمام نفاذ حوالة الحق في مواجهة المدين ثبوت علمه بها في ظل غياب تنظيم خاص.

خامسًا: التقييم القانوني وأهمية الحكم

يعد هذا الحكم تطبيقًا دقيقًا لمبدأين جوهريين:

  • مبدأ الأثر النسبي للعقد،
  • وقاعدة أن التابع يتبع الأصل وجودًا وعدمًا.

وقد نجحت المحكمة في تحقيق توازن بين حماية حجية اتفاق التحكيم كآلية خاصة لفض المنازعات، وبين عدم التوسع في مد نطاقه إلى غير أطرافه إلا في الحدود التي يقرها القانون.

كما رسخ الحكم معيارًا حاسمًا في مسائل امتداد شرط التحكيم في حالات حوالة الحق، هو توقيت انتقال الحق بالنسبة لتاريخ إبرام اتفاق التحكيم، وهو معيار موضوعي يحقق اليقين القانوني ويمنع إساءة استعمال شرط التحكيم كوسيلة لحرمان الدائن المحال له من اللجوء إلى القضاء.

خاتمة

خلصت محكمة التمييز بدبي في الطعن رقم 1685 لسنة 2025 إلى أن شرط التحكيم لا ينتقل إلى المحال له إذا أُبرم بعد انتقال الحق إليه، لأنه لا يعد في هذه الحالة من ملحقات الحق المحال.

ويعد هذا القضاء إضافة مهمة لاجتهادات القضاء الإماراتي في مجال التحكيم، لما قرره من ضوابط واضحة تحكم امتداد شرط التحكيم في حالات حوالة الحقوق، مؤكدًا أن الإرادة الاتفاقية لا تنصرف إلا في حدودها الزمنية والشخصية.