التحكيم والذكاء الاصطناعي: من أداة مساعدة إلى دور شبه قضائي
08/02/2026

أحدث التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي تحولًا جذريًا في مختلف المجالات القانونية، ولم يكن التحكيم الدولي بمنأى عن هذا التأثير. فبعد أن اقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي في البداية على مهام إدارية وتحليلية محدودة، بات اليوم يلعب دورًا متقدمًا في إدارة النزاعات، وتحليل الوقائع، بل واقتراح نتائج قانونية أولية. ومع اقتراب عام 2026، يثور تساؤل جوهري حول حدود هذا الدور، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي يتجه فعليًا نحو ممارسة وظيفة شبه قضائية داخل منظومة التحكيم الدولي، وما يترتب على ذلك من تحديات قانونية وأخلاقية.

أولًا: الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة في التحكيم

في مرحلته الأولى، استُخدم الذكاء الاصطناعي في التحكيم بوصفه أداة تقنية تهدف إلى تعزيز الكفاءة وخفض التكاليف. وشمل ذلك تحليل كميات ضخمة من المستندات، وتصنيف الأدلة، واستخراج الأنماط المتكررة في السوابق التحكيمية، فضلًا عن دعم إدارة القضايا من حيث الجدولة وتتبع الإجراءات.

وقد أسهم هذا الاستخدام في تسريع وتيرة الفصل في النزاعات، لا سيما في القضايا المعقدة أو متعددة الأطراف، دون أن يمس جوهر الوظيفة القضائية للمحكم، الذي ظل صاحب القرار النهائي والمسؤول عن تقدير الوقائع وتطبيق القانون.

ثانيًا: الانتقال إلى الدور شبه القضائي

شهد عام 2025 تطورًا لافتًا تمثل في إطلاق نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تقييم مطالبات الأطراف، وتحليل الحجج القانونية، واقتراح نتائج أو مسودات أحكام أولية في منازعات محدودة النطاق. وقد رُوِّج لهذه النماذج باعتبارها وسيلة لتسوية النزاعات منخفضة القيمة أو المتكررة بطريقة سريعة وفعالة.

ويمثل هذا التطور نقلة نوعية في دور الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح شريكًا فعليًا في عملية اتخاذ القرار، ولو بصورة غير مباشرة. غير أن هذا التحول يثير تساؤلات جوهرية حول مدى مشروعية إسناد وظائف ذات طابع قضائي إلى أنظمة غير بشرية.

ثالثًا: التحديات القانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي

يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في التحكيم عددًا من الإشكاليات القانونية، في مقدمتها مسألة الشفافية. فغالبًا ما تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي وفق خوارزميات معقدة يصعب تفسيرها، ما قد يتعارض مع متطلبات تسبيب الأحكام التحكيمية وحق الأطراف في فهم الأسس التي بُني عليها القرار.

كما تبرز إشكالية الاستقلال والحياد، إذ قد تتأثر مخرجات الذكاء الاصطناعي بالبيانات التي دُرِّب عليها أو بالتحيزات الكامنة فيها. ويضاف إلى ذلك التساؤل حول المسؤولية القانونية في حال وقوع خطأ جوهري: هل تقع المسؤولية على المحكم الذي اعتمد على مخرجات النظام، أم على الجهة المطورة للتقنية؟

رابعًا: واجب الإفصاح وضمانات العدالة الإجرائية

أدت هذه التحديات إلى تصاعد الدعوات لوضع أطر تنظيمية تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في التحكيم. وقد أصدرت بعض مؤسسات التحكيم بالفعل إرشادات تشجع على الإفصاح عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي عندما يكون لذلك الاستخدام تأثير جوهري على سير النزاع أو نتيجته.

ويرتبط واجب الإفصاح ارتباطًا وثيقًا بضمان مبدأ المساواة بين الأطراف، إذ يقتضي تمكين كل طرف من معرفة الأدوات التي قد تؤثر في تقييم أدلته أو حججه. كما يُنظر إلى الإفصاح بوصفه وسيلة لتعزيز الثقة في العملية التحكيمية، دون أن يؤدي بالضرورة إلى تقييد الابتكار أو حظر استخدام التقنيات الحديثة.

خامسًا: أثر الذكاء الاصطناعي على قابلية إنفاذ الأحكام

يطرح استخدام الذكاء الاصطناعي تساؤلات جديدة بشأن قابلية إنفاذ الأحكام التحكيمية. فقد يسعى أحد الأطراف إلى الطعن في الحكم بدعوى أن المحكم فوّض جزءًا من سلطته القضائية إلى نظام آلي، أو أنه لم يفصح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد الحكم.

ورغم أن القضاء لم يستقر بعد على موقف نهائي من هذه الدفوع، إلا أن الاتجاه المرجح يتمثل في فحص ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد استُخدم كأداة مساعدة تحت إشراف المحكم، أم أنه أدى دورًا حاسمًا في اتخاذ القرار بما يمس جوهر الوظيفة القضائية.

سادسًا: آفاق مستقبلية للتحكيم في ظل الذكاء الاصطناعي

من المتوقع أن يشهد عام 2026 مزيدًا من التكامل بين التحكيم والذكاء الاصطناعي، مع تطوير نماذج أكثر شفافية وقابلية للتفسير. كما يُتوقع أن تتجه مؤسسات التحكيم إلى تحديث قواعدها بما يوازن بين تشجيع الابتكار وضمان احترام المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة.

وفي هذا السياق، قد يتبلور نموذج هجين يقوم على توزيع الأدوار بين المحكم البشري والذكاء الاصطناعي، بحيث يتولى الأخير المهام التقنية والتحليلية، بينما يحتفظ المحكم بالسلطة التقديرية النهائية والمسؤولية القانونية الكاملة.

خاتمة

يخلص هذا المقال إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة في التحكيم الدولي، بل أصبح عنصرًا فاعلًا يقترب تدريجيًا من أداء دور شبه قضائي. غير أن نجاح هذا التحول يظل مرهونًا بوضع ضوابط قانونية وأخلاقية واضحة، تكفل الشفافية والحياد والمساءلة. ومع اقتراب عام 2026، يقف التحكيم الدولي أمام فرصة تاريخية للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تعزيز الكفاءة والعدالة، دون التفريط في القيم الأساسية التي يقوم عليها النظام التحكيمي.