مقدمة
يثير حكم محكمة استئناف باريس الصادر في 15 يناير 2026 إشكالية دقيقة مفادها: إلى أي مدى يمكن للتصرفات الرقمية العلنية، ولو كانت في ظاهرها بسيطة، أن تمس بحياد المحكم وتؤدي إلى بطلان حكم تحكيمي دولي؟ وهل أصبح الأثر الرقمي للمحكم جزءًا من معايير الاستقلال والحياد؟
ملخص الوقائع
تعود وقائع النزاع إلى ادعاء رجل الأعمال الأوكراني رينات أخميتوف وشركة Investio LLC بتعرض استثمارات عقارية فاخرة في شبه جزيرة القرم للمصادرة غير المشروعة عقب ضمها عام 2014. وقد استند المدعون إلى اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المبرمة عام 1998 بين روسيا وأوكرانيا، وأقاموا دعوى تحكيم أمام محكمة التحكيم الدائمة.
في أغسطس 2022، أصدرت هيئة التحكيم حكمًا جزئيًا قضى باختصاصها بنظر النزاع. إلا أن روسيا طعنت على هذا الحكم أمام محكمة استئناف باريس، مع نجاحها لاحقًا في رد اثنين من المحكمين أثناء مرحلة الموضوع.
الحكم وأسانيده القانونية
قضت محكمة استئناف باريس ببطلان الحكم الجزئي استنادًا إلى المادة 1520/2 من قانون المرافعات المدنية الفرنسي، لثبوت عدم التشكيل الصحيح لهيئة التحكيم وقيام شكوك معقولة حول حياد رئيسها.
وأوضحت المحكمة أن الهيئة خالفت اتفاقًا إجرائيًا ملزمًا أُبرم عام 2019 بين الأطراف بشأن آلية اختيار رئيس الهيئة، وأن هذا الاتفاق لا يجوز العدول عنه بإرادة منفردة.
كما رأت المحكمة أن حياد رئيس الهيئة قد شابه خلل موضوعي، بالنظر إلى صدور بيانات علنية من مكتب المحاماة الذي ينتمي إليه تدين روسيا، فضلًا عن تفاعلات رقمية علنية منسوبة إليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي تنطوي على مواقف عدائية.
المبادئ التي استقرت عليها المحكمة
1. الاتفاق الإجرائي المتعلق بتشكيل هيئة التحكيم يعد ملزمًا وغير قابل للإبطال المنفرد.
2. يقاس معيار (الشك المعقول) في حياد المحكم بميزان موضوعي قائم على وقائع خارجية دقيقة وقابلة للتحقق.
3. يجوز للمحكمة فحص الوقائع اللاحقة لصدور الحكم، بما في ذلك المحتوى الرقمي العلني.
4. البصمة الرقمية للمحكم أو لمؤسسته المهنية قد تسهم، في مجموعها، في قيام الشك المعقول الموجب للبطلان.
خاتمة
يؤكد هذا الحكم أن الحياد التحكيمي لم يعد محصورًا في قاعة المداولة، بل امتد إلى الفضاء الرقمي. وبات لزامًا على المحكمين التحلي بأقصى درجات التحفظ، إذ غدا السلوك الرقمي عنصرًا إجرائيًا قد ينهض سببًا لبطلان التحكيم ذاته.
نقلاً عن: إيوانا نول تيودور (Ioana Knoll-Tudor)
محامية تحكيم دولي، وشريك بشركة أدليشو جودارد (Addleshaw Goddard)، والسكرتير العام لمؤسسة (Paris Arbitration Week (PAW))، ونائب رئيس نادي التحكيم الاسباني برومانيا (Club Espanol de Arbitraje (CEA) Romania)







