مقدمة
صدر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD في يونيو 2025 ورقة بحثية بعنوان: هل يعد الذكاء الاصطناعي التوليدي تكنولوجيا محورية؟ الآثار على الإنتاجية والسياسات. وتندرج هذه الورقة ضمن سلسلة أوراق الذكاء الاصطناعي الصادرة عن المنظمة، التي لا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي للدول الأعضاء، وتهدف إلى تحفيز النقاش حول المسائل التكنولوجية ذات الأثر الواسع. ويتناول التقرير الإمكانات الاقتصادية الكامنة للذكاء الاصطناعي التوليدي، وما إذا كان يستوفي خصائص التكنولوجيا المحورية العامة .General-Purpose Technology – GPT
ما هي التكنولوجيا المحورية العامة؟
تُعرف التكنولوجيا المحورية بأنها ابتكارات تمتاز بثلاث سمات أساسية: الانتشار الواسع عبر مختلف القطاعات، والتحسن المستمر بمرور الوقت، والقدرة على توليد الابتكار في تطبيقاتها. ويستعرض التقرير تاريخ التكنولوجيا المحورية مثل المحرك البخاري والكهرباء وتكنولوجيا المعلومات، مبينًا أن مساهمتها في الإنتاجية لم تكن فورية، بل تطلبت استثمارات مصاحبة وتكيفًا مؤسسيًا.
الذكاء الاصطناعي التوليدي: خصائص نوعية وفارقة
يُبرز التقرير اختلاف الذكاء الاصطناعي التوليدي عن الأنظمة السابقة في قدرته على إنتاج محتوى جديد نصوص، صور، فيديوهات بدلاً من مجرد تصنيف البيانات. كما يمتاز بسهولة الاستخدام، وقابلية التكيف، والمرونة العالية، مما يسهل انتشاره عبر الأفراد والمؤسسات. وتشير الأدلة الأولية إلى اتساع مجالات تطبيقه من الرعاية الصحية والصناعة إلى التعليم والتمويل والفنون.
هل يستوفي الذكاء الاصطناعي التوليدي خصائص التكنولوجيا المحورية؟
يستعرض التقرير بيانات كمية ونوعية لدعم فرضية تصنيفه كتكنولوجيا محورية. فيُظهر انتشارًا واسعًا عبر الاستخدامات الفردية والمؤسسية، وتحسنًا سريعًا في الأداء عبر النماذج، إلى جانب دوره في تحفيز الابتكار في مجالات متفرعة. ويُبرز التقرير أن هذا التأثير المتنامي يعزز ما يُعرف بدورة الابتكار المتبادلة بين التكنولوجيا وقطاعات التطبيق.
الآثار السياسية والتنظيمية المحتملة
يشير التقرير إلى أن تحقيق الأثر الكامل للذكاء الاصطناعي التوليدي يتطلب حزمة سياسات متكاملة تشمل: دعم تبني التكنولوجيا بشكل موثوق، تعزيز البحث والتطوير، وتشجيع الابتكار في القطاعات التي تستفيد من الذكاء الاصطناعي. كما يدعو إلى مواءمة التطوير مع المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، بما يضمن الاستخدام الأخلاقي والمنصف لهذه التكنولوجيا.
خاتمة
يثير التقرير تساؤلات جوهرية حول موقع الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن المنظومة التكنولوجية العالمية، مشيراً إلى إمكانية تحوله إلى تكنولوجيا محورية قادرة على إعادة تشكيل أنماط الإنتاج والابتكار والنمو. غير أن ترجمة هذا الإمكان إلى واقع ملموس تظل رهينة بقدرة صناع القرار على صياغة أطر تنظيمية شاملة تدعم الاستخدام الموثوق والمسؤول للتكنولوجيا، وتعزز الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتنمي رأس المال البشري. وعلى هذا الأساس، لا يقتصر مستقبل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تطوره التقني فحسب، بل يتوقف أيضًا على مدى نضج السياسات العامة واستباقيتها في احتواء فرصه ومخاطره على حد سواء.







