اعتمد مجلس أوروبا أول اتفاقية دولية تهدف إلى حماية مهنة المحاماة، وذلك استجابةً للتقارير المتزايدة حول الاعتداءات التي تستهدف ممارسة هذه المهنة، سواء من خلال المضايقات، أو التهديدات، أو الاعتداءات المباشرة، أو التدخل غير المشروع في أداء المهام المهنية، بما في ذلك العوائق التي تعترض وصول المحامين إلى موكليهم.
وتغطي اتفاقية مجلس أوروبا لحماية مهنة المحاماة المحامين ونقاباتهم المهنية، التي تضطلع بدور أساسي في الدفاع عن حقوق المحامين ومصالحهم كمهنة. وتتناول الاتفاقية القواعد المتعلقة بحق ممارسة المهنة، والحقوق المهنية، وحرية التعبير، والإجراءات التأديبية، والتدابير الوقائية الخاصة بالمحامين والجمعيات المهنية.
وبموجب أحكام الاتفاقية، تلتزم الدول الأطراف بضمان تمكين المحامين من أداء واجباتهم المهنية دون أن يكونوا عرضة لأي شكل من أشكال الاعتداء الجسدي، أو التهديد، أو المضايقة، أو التخويف، أو لأي عرقلة أو تدخل غير مشروع. وفي الحالات التي قد تشكل فيها هذه الأفعال جرائم جنائية، يتعين على الدول الأطراف إجراء تحقيق فعال. كما تلتزم الدول الأطراف بضمان تمكين النقابات المهنية من العمل كهيئات مستقلة تتمتع بالحكم الذاتي.
ومن المقرر فتح الاتفاقية للتوقيع في 13 مايو، وذلك بمناسبة اجتماع وزراء الخارجية بمجلس أوروبا المنعقد في لوكسمبورغ.
ولكي تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ، يجب أن تصدّق عليها 8 دول على الأقل، من بينها 6 دول أعضاء في مجلس أوروبا. وسيتم مراقبة الامتثال لأحكام الاتفاقية من قبل مجموعة خبراء ولجنة تمثل الدول الأطراف.
كما صدر التقرير التوضيحي عن لجنة التعاون القانوني الأوروبية (CDCJ) التابعة لمجلس أوروبا في 12 مارس 2025 خلال الاجتماع رقم 1522 لنواب الوزراء في مجلس أوروبا. ويستعرض التقرير الأهمية المحورية التي تلعبها مهنة المحاماة في تحقيق العدالة، ودورها كضامن لحقوق الأفراد في الوصول إلى محاكمات عادلة. كما يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي يتعرض لها المحامون، بما في ذلك المضايقات والتهديدات والتدخلات غير المشروعة في عملهم.
أهداف الاتفاقية
يؤكد التقرير على عدة أهداف رئيسية تسعى الاتفاقية إلى تحقيقها، من أبرزها:
- تعزيز استقلالية المحامين: التأكيد على عدم تعرض المحامين لأي ضغوط أو تدخلات غير مبررة أثناء أداء مهامهم المهنية.
- حماية المحامين من التهديدات والمضايقات: وضع آليات قانونية لمواجهة التهديدات التي يتعرض لها المحامون، سواء من قبل الجهات الرسمية أو غير الرسمية.
- ضمان حرية التعبير للمحامين: حماية حق المحامين في إبداء آرائهم حول قضايا العدالة والقوانين دون خوف.
- تقوية دور نقابات المحامين: تعزيز دور نقابات المحاماة في الدفاع عن حقوق أعضائها، وضمان استقلاليتها عن أي ضغوط سياسية أو إدارية.
- حماية سرية العلاقة بين المحامي وموكله: منع أي تدخلات قد تمس بسرية المعلومات التي يتشاركها المحامون مع موكليهم.
اهمية الاتفاقية في تعزيز العدالة
يبرز التقرير الدور الأساسي الذي يلعبه المحامون في ضمان العدالة، حيث يسهمون في:
- حماية حقوق الأفراد: من خلال تقديم الاستشارات القانونية والتمثيل أمام المحاكم.
- تعزيز سيادة القانون: عبر التأكد من أن القوانين تُطبق بعدالة وحيادية.
- تمكين الفئات الضعيفة من الوصول إلى العدالة: من خلال تقديم المساعدة القانونية المجانية أو المدعومة.
- ومع ذلك، فإن التهديدات والمضايقات التي يواجهها المحامون تشكل خطرًا مباشرًا على هذه الأهداف، مما يجعل تبني هذه الاتفاقية ضرورة لضمان بيئة عمل آمنة للمحامين.
آليات التنفيذ والمتابعة
- لضمان التطبيق الفعال للاتفاقية، يقترح التقرير عدة آليات للمتابعة والمراقبة، أبرزها:
- إنشاء آلية رقابية دولية لمتابعة التزام الدول الأعضاء بتطبيق أحكام الاتفاقية.
- تمكين نقابات المحامين من مراقبة الأوضاع ورفع تقارير حول أي انتهاكات يتعرض لها المحامون.
- ضمان إمكانية اللجوء إلى القضاء للطعن في أي إجراءات أو قرارات تنتهك حقوق المحامين.
- فرض عقوبات على الجهات التي تتورط في تهديد المحامين أو التدخل في عملهم المهني.
التحديات المحتملة أمام تنفيذ الاتفاقية
رغم أهمية الاتفاقية، يواجه تنفيذها بعض العقبات، من بينها:
- عدم التزام بعض الدول بتنفيذ معايير الحماية بشكل كامل، خصوصًا في الدول التي تشهد تدخلات حكومية في النظام القضائي.
- غياب الوعي الكافي لدى المحامين حول حقوقهم وآليات الحماية المتاحة لهم.
- التحديات القانونية والإدارية التي قد تعوق تفعيل الآليات الرقابية المنصوص عليها في الاتفاقية.
يشكل التقرير التوضيحي لاتفاقية حماية مهنة المحاماة خطوة حاسمة نحو تعزيز استقلالية المحامين، وضمان قدرتهم على ممارسة المهنة بحرية وأمان. ومع تصاعد الضغوط والمخاطر التي يتعرض لها المحامون في العديد من الدول، يصبح من الضروري تبني هذه الاتفاقية، وتنفيذها بشكل صارم، لضمان أن يبقى المحامون قادرين على أداء دورهم المحوري في تحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان.
إن تحقيق العدالة لا يقتصر فقط على وجود قوانين عادلة، بل يتطلب أيضًا وجود محامين قادرين على الدفاع عن حقوق الأفراد دون خوفٍ أو تهديد. ومن هنا، فإن تطبيق هذه الاتفاقية بشكل فعال سيكون خطوة نحو نظام قضائي أكثر عدلاً وإنصافًا للجميع.