العدالة الجنائية الذكية - التدوين الذكي
2024/03/03

الأصل العام في إجراءات الدعوى الجنائية هو التدوين، يستوي في ذلك المرحلة السابقة على إقامة الدعوى الجنائية والممهدة لها، ونعني بذلك مرحلة جمع الاستدلالات، أو مرحلة التحقيق الابتدائي أو مرحلة المحاكمة. وعلة اشتراط الكتابة أو التدوين هي القاعدة الإجرائية التي تتطلب «إثبات الإجراء كتابة»، حتى يتسنى التحقق والتثبت من اتخاذه، ولكي يستطاع فيما بعد الاحتجاج به حينما يقتضي الأمر ذلك. فمما لا شك فيه أن ذاكرة البشر لا يمكن الاعتماد عليها لمعرفة ما تم من إجراءات والكيفية التي تمت بها، نظراً لما قد يطرأ عليها من الضعف أو الاضطراب أو النسيان. يضاف إلى ذلك أن الكتابة أو التدوين هي الوسيلة لحفظ الدليل، ولو توفي القائم بالإجراء أو الشاهد أو غيرهم من الأشخاص الذين لديهم معلومات عن الواقعة. والكتابة بعد ذلك هي الوسيلة العملية لتسهيل وتيسير العمل. فالغاية من كل مرحلة من المراحل التي تمر بها الدعوى الجنائية هي إمداد السلطة اللاحقة بالمعلومات التي تتيح لها مباشرة اختصاصاتها واتخاذ القرارات وممارسة السلطات والصلاحيات المنوطة بها. ويقتضي ذلك تدوين هذه المعلومات كي تعرض بعد ذلك على سلطة التحقيق، بحيث يتاح لها التأمل فيها واتخاذ قرارها في هذا الشأن عن بينة.

        وغني عن البيان أن التدوين قد يتم بخط اليد، وقد يتم باستخدام الحاسب الآلي بأن يتم الاستعانة بأحد الأفراد للكتابة عليه. ولكن، ظهرت مؤخراً بعض التطبيقات الذكية التي تقوم بتحويل الصوت إلى نص مكتوب، ويطلق على هذه التطبيقات باللغة الإنجليزية عبارة (automated transcription software). ومن أشهر البرامج التي توفر هذه الخدمة، يمكن أن نذكر برنامج (Sonix)، وهذا البرنامج به ميزة كبرى وهي الربط مع برنامج زووم، الأمر الذي يجعل من الممكن استخدامه في حالة إجراء التحقيق أو المحاكمة عن بعد، وبحيث يستطيع البرنامج تدوين الكلام عن بعد. وسنحاول من خلال هذا المقال إلقاء الضوء على مدى جواز الاستعانة بهذه التقنية في تدوين الإجراءات الجنائية، وهو ما يتطلب تقسيم هذا المقال إلى محاور ثلاثة، يتناول المحور الأول منها تحرير محضر أعمال الاستدلال آلياً، بينما يركز المحور الثاني على تدوين محاضر التحقيق الابتدائي آلياً، ويبين المحور الثالث تحرير محاضر جلسات المحاكمة آلياً، وذلك على النحو التالي:

المطلب الأول تحرير محضر أعمال الاستدلال آلياً

تتطلب التشريعات الجنائية الإجرائية تحرير محضر في شأن جمع الاستدلالات. فوفقاً للمادة الرابعة والعشرين الفقرة الثانية من قانون الإجراءات الجنائية المصري، «يجب أن تثبت جميع الإجراءات التي يقوم بها مأمورو الضبط القضائي في محاضر موقع عليها منهم يبين بها وقت اتخاذ الإجراءات ومكان حصولها. ويجب أن تشتمل تلك المحاضر زيادة على ما تقدم توقيع الشهود والخبراء الذين سمعوا. وترسل المحاضر إلى النيابة العامة مع الأوراق والأشياء المضبوطة». وهكذا، يوجب المشرع تحرير محضر في شأن جمع الاستدلالات، محدداً البيانات التي يتعين أن يتضمنها المحضر، وهي: بيان الإجراء المتخذ، ووقت اتخاذه، ومكانه، وتوقيع الشهود والخبراء الذين سمعوا، وتوقيع مأمور الضبط القضائي نفسه. وتحديد المشرع هذه البيانات هو على سبيل الإرشاد، وقد هدف به ضمان وضوح المحضر ودقته، ولذلك لا يترتب على إغفال بعضها بطلان المحضر (نقض مصري، 10 نوفمبر سنة 1981م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 32، رقم 146، ص 843).

وإذا كان المشرع قد أوجب تحرير محضر، إلا أنه لم يتطلب أن يستصحب مأمور الضبط القضائي كاتباً يدون محضر الاستدلالات ويوقعه معه، فلا يسري الحكم المقرر في المادة الثالثة والسبعين من قانون الإجراءات الجنائية على محضر جمع الاستدلالات. وبناء على ذلك، فإنه إذا حرر مأمور الضبط القضائي المحضر بنفسه، كان المحضر صحيحاً، وإذا استصحب معه كاتباً لتدوين المحضر كان ذلك صحيحاً، إذا لا يتصور أن يترتب البطلان على اتخاذ إجراء لم يتطلبه القانون، ولكن من شأنه توفير المزيد من الضمانات. ويعني ذلك أن من شأن مأمور الضبط القضائي تقدير ما إذا كان يحرر المحضر بيده أو يستعين على ذلك بكاتب، وعليه أن يبني تقديره على ما يتبينه من مصلحة الاستدلال (د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية وفقاً لأحدث التعديلات التشريعية، الجزء الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، 2013م، رقم 432، ص 434). وفي ذلك، تقول محكمة النقض «إن القانون لم يوجب أن يحضر مع مأمور الضبط القضائي وقت مباشرة التحقيق وجمع الاستدلالات المنوطة به، كاتب لتحرير ما يجب تحريره من المحاضر، ومؤدى ذلك أن مأمور الضبط القضائي هو المسئول وحده عن صحة ما دون بمحاضره، وما دام هو يوقع عليها إقراراً منه بصحتها، فلا يهم بعد ذلك إن كان قد حرر المحضر بيده أو استعان في تحريره بغيره» (نقض 13 مارس سنة 1939م، مجموعة القواعد القانونية، ﺠـ 4، رقم 358، ص 486؛ نقض 3 مارس سنة 1952م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 3، رقم 283، ص 758).  

وكما هو واضح من الشروح الفقهية والتطبيقات القضائية، فإن الحديث كله ينصب على التحرير اليدوي لمحضر جمع الاستدلالات، سواء قام مأمور الضبط القضائي نفسه بذلك أو استعان بكاتب على ذلك. وقد كان التحرير في البداية يتم بخط اليد، ولكن بدأ مؤخراً الاستعانة بالحاسب الآلي في كتابة محضر جمع الاستدلالات. ولا غضاضة في اللجوء إلى أي وسيلة من الوسائل سالفة الذكر. بل إننا قد نطرح التساؤل حول إمكانية الاستعانة ببعض الأجهزة التي تستطيع تحويل الصوت إلى مستند مكتوب. ولا اعتقد أن ثمة مانع قانوني في ذلك. وقناعتي الشخصية أن المستقبل القريب سوف يشهد استخداماً واسعاً لهذه التكنولوجيا بواسطة أجهزة العدالة الجنائية. وقد يكون من الأفضل تسجيل بعض الإجراءات صوتياً ومرئياً، وهو ما يتحقق من خلال إلزام رجال الشرطة ومأموري الضبط القضائي عموماً بوضع الكاميرات المحمولة على الجسد. ففي ولاية كونكتكت الأمريكية، وتحت عنوان «الكاميرات المحمولة على الجسم وكاميرات لوحة القيادة والمنح ذات الصلة»، ووفقاً للفقرتين 19/ 20 و45 من قانون مساءلة الشرطة، بشكل أساسي، (1) يوسع شرط استخدام الكاميرات المحمولة على الجسم إلى ضباط الشرطة في جميع وحدات إنفاذ القانون في الولايات والبلديات والقبلية، (2) يطلب من هؤلاء الضباط استخدام كاميرات لوحة القيادة في مركبات دوريات الشرطة، و(3) يصرح بـ 4 ملايين دولار في سند الالتزام العام لبرنامج منحة جديدة لتمويل شراء المعدات والخدمات ذات الصلة من قبل البلديات».

المطلب الثاني تدوين محاضر التحقيق الابتدائي آلياً

تقرر التشريعات الجنائية الإجرائية وجوب أن تكون إجراءات التحقيق الابتدائي ثابتة بالكتابة. ويعد مبدأ تدوين التحقيق الابتدائي من المبادئ الأساسية في الإجراءات الجنائية. وإعمالاً لمبدأ تدوين التحقيق الابتدائي، تنص المادة الثالثة والسبعون من قانون الإجراءات الجنائية المصري على أن «يستصحب قاضي التحقيق في جميع إجراءاته كاتباً من كتاب المحكمة يوقع معه المحاضر. وتحفظ هذه المحاضر مع الأوامر وباقي الأوراق في قلم كتاب المحكمة». وهذه القاعدة تسري كذلك على التحقيقات بمعرفة النيابة العامة، حيث تنص المادة 199 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه «فيما عدا الجرائم التي يختص قاضي التحقيق بتحقيقها وفقاً لأحكام المادة 64 تباشر النيابة العامة التحقيق في مواد الجنح والجنايات طبقاً للأحكام المقررة من قاضي التحقيق مع مراعاة ما هو منصوص عليه في المواد التالية».

وهكذا، فإن جميع إجراءات التحقيق يجب أن تثبت كتابة في محضر يعد لذلك، ويتفرع عن هذا المبدأ أنه لا يجوز إثبات حصول الإجراء بغير المحضر الذي دون فيه، أي استبعاد طرق الإثبات الأخرى في هذا الشأن. إذ يمثل تدوين إجراءات التحقيق السند الدال على حصولها، وعدم توافره يؤدي إلى افتراض عدم مباشرة الإجراء، وبالتالي فإن المبدأ الذي يطبق في هذه الحالة هو «ما لم يكتب لم يحدث». وخلافاً لما عليه الحكم بالنسبة لتدوين محضر الاستدلالات، يشترط المشرع أن يتولى تدوين محضر التحقيق كاتب يتفرغ – أثناء التحقيق – لهذا العمل. ويعني ذلك أن المحقق لا يدون بنفسه المحضر. وعلة هذا الشرط حرص الشارع على أن يتفرغ المحقق للجانب الفني من التحقيق، فيتاح له أن يستغرق ويركز ذهنه فيه، ويدبر خطته الفنية، ويتحرى صحته القانونية، فلا يشغله عن ذلك مجهود التدوين المادي. وقد خشي المشرع أن يجيء انشغال المحقق بماديات التدوين على حساب الجانب الفني والقانوني للتحقيق، فلا تكون له القيمة التي يريدها له. وهذا الشرط متطلب، سواء باشر المحقق الإجراء بنفسه أو ندب لمباشرته أحد مأموري الضبط القضائي (د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية وفقاً لأحدث التعديلات التشريعية، الجزء الأول، المرجع السابق، رقم 565، ص 576).

وبقراءة شروح الإجراءات الجنائية، يبدو جلياً أن الحديث ينصب على الاستعانة بكاتب من كتاب المحكمة، بحيث يتعين أن يصحب المحقق ويدون محاضر التحقيق. بل إن الحديث ينصرف أيضاً إلى اشتراط أن يكون الكاتب مختصاً بهذا العمل، حيث يستشهد الفقه في هذا الشأن بتعبير المشرع في قوله إنه «كاتب من كتاب المحكمة» التي ينتمي إليها قاضي التحقيق (أو التي ألحقت بها النيابة التي ينتمي إليها عضو النيابة المحقق). ويعلل الفقه هذا الشرط بأنه تطبيق للقواعد العامة في اعتبار الاختصاص شرطاً لصحة الإجراء. ويستدرك الفقهاء والشراح، مؤكدين أن «جميع كتاب النيابات الجزئية التابعة لنيابة كلية واحدة مختصون بتدوين التحقيق الذي يجري في أي من هذه النيابات» (د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية وفقاً لأحدث التعديلات التشريعية، الجزء الأول، المرجع السابق، ص 576، هامش رقم 3)، مستشهدين على ذلك بأحد الأحكام الصادرة عن محكمة النقض المصرية (نقض 21 مارس سنة 1969م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 20، رقم 91، ص 428). كذلك، يؤكد الفقه أنه إذا دون المحضر كاتب غير مختص، وكانت ظروف الضرورة هي التي اقتضت ذلك، فإن المحضر يعتبر صحيحاً كمحضر تحقيق. ويختص المحقق بتقدير توافر الضرورة، وتراقبه في ذلك محكمة الموضوع. فإذا اعتبرت المحكمة الضرورة غير متوافرة، فإن محضر التحقيق يكون باطلاً، ولا يمنع ذلك من أن يتحول إلى محضر استدلال، تطبيقاً لنظرية تحول الإجراء الباطل. وقد تتخذ الضرورة صورة الاستعجال، كما لو كان الكاتب المختص متغيباً لسبب ما، وكان انتظار حضوره يعني ألا يتم اتخاذ الإجراء في وقته الملائم. وقد تتخذ صورة استشعار الحرج من الاستعانة بالكاتب المختص لاعتبارات تتصل بحسن سير التحقيق، كما لو كان هذا الكاتب قريباً للمتهم أو المجني عليه، بحيث يحتمل أن يشوه بيانات المحضر لمصلحة قريبه، أو كان مجرد حضوره في التحقيق حائلاً بين أحد الشهود وإدلائه لما يريد قوله. وإذا استعان المحقق بغير الكاتب المختص، فلا يلزم أن يفصل ظروف الضرورة التي دعته إلى ذلك، بل إنه لا يشترط أن يذكر صراحة توافرها، وإنما يفترض توافرها، تطبيقاً لقاعدة الأصل في الإجراء الصحة.

        والواقع أن الإشكاليات سالفة الذكر واستعراض الآراء الفقهية والتطبيقات القضائية في شأنها تدعونا إلى التساؤل عما إذا كان من الأفضل والأنسب أن يتم اللجوء إلى الأجهزة الذكية في تدوين محضر التحقيق، حيث يقوم الجهاز ذاته بتحويل الصوت إلى نص مكتوب. وميزة هذا الإجراء هي القضاء على الادعاءات والمزاعم التي قد تثور من الخصوم طعناً على ما دون في المحضر. يؤيد ذلك أن العنصر البشري قد يدون فهمه للعبارة التي سمعها، فلا يقوم بتدوين العبارة ذاتها. فعلى سبيل المثال، وعند سؤال المتهم عما إذا كان قد ارتكب الواقعة، يحدث غالباً أن يدون الكاتب البشري: وبسؤاله عن الواقعة، اعترف بارتكابها. والواقع أن الاعتراف هو وصف لحالة وليس تدويناً للحالة نفسها. ومثل هذه الأمور يبدو سائغاً الاعتقاد بعدم حدوثها في حالة الاستعانة بالأجهزة الذكية. ولعل ما يشفع لذلك أيضاً أن ثمة فاصل زمني بين الحديث الشفوي وبين قدرة الكاتب البشري على المتابعة والتدوين. فما يمكن قوله في دقيقة، يحتاج إلى أكثر من هذا الوقت لتدوينه. ومن ثم، يخشى ألا يتمكن الكاتب البشري من كتابة كل ما يقوله المتهم أو الشاهد. وهذه الخشية لا محل لها في حالة الاستعانة بالأجهزة الذكية في تدوين التحقيق الابتدائي.

المطلب الثالث تدوين محاضر جلسات المحاكمة آلياً

المبدأ المقرر في التشريعات الجنائية الإجرائية هو تدوين إجراءات المحاكمة. فوفقاً للمادة 276 من قانون الإجراءات الجنائية المصري، «يجب أن يحرر محضر بما يجري في جلسة المحاكمة، ويوقع على كل صفحة منه رئيس المحكمة وكاتبها في اليوم التالي على الأكثر. ويشتمل هذا المحضر على تاريخ الجلسة، ويبين به ما إذا كانت علنية أو سرية، وأسماء القضاة والكاتب وعضو النيابة العامة الحاضر بالجلسة وأسماء الخصوم والمدافعين عنهم وشهادة الشهود وأقوال الخصوم، ويشار فيه إلى الأوراق التي تليت وسائر الإجراءات التي تمت، وتدون به الطلبات التي قدمت أثناء نظر الدعوى، وما قضي به في المسائل الفرعية، ومنطوق الأحكام الصادرة، وغير ذلك مما يجري في الجلسة». والبين من هذا النص بشكل واضح وجلي أن المشرع يقرر مبدأ «تدوين إجراءات المحاكمة»، محدداً أهم البيانات الواجب تضمينها في محضر الجلسة، متطلباً توقيع رئيس المحكمة وكاتبها على كل صفحة من صفحاته في اليوم التالي على الأكثر. ومن هذا النص، استخلص الشراح اشتراط حضور الكاتب في الجلسة، باعتبار أن تحرير المحضر يفترض ذلك: إذ لا يتصور أن يقوم بذلك أحد قضاة المحكمة. ولا تعارض بين شفوية إجراءات المحاكمة وبين تدوينها: فالإجراءات تجري شفوياً، وتسجل كتابة كما جرت شفوياً. ويعني ذلك أن الشفوية هي الأصل، والتدوين صورة لذلك الأصل (د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية وفقاً لأحدث التعديلات التشريعية، الجزء الثاني، المرجع السابق، رقم 984، ص 992).


وما قيل عند الحديث عن تدوين محاضر التحقيق الابتدائي آلياً، من مزايا الاستعانة بالأجهزة الذكية في تدوين محضر التحقيق ينطبق أيضاً فيما يتعلق بتدوين محاضر جلسات المحاكمة. ولعل ذلك يفتح الباب واسعاً نحو تحويل المنظومة القضائية بشكل كامل إلى التقاضي الذكي والقاضي الذكي.