من يسيطر المحامون أم مهندسو الأوامر القانونية
2023/12/10

التردد في مواجهة التغيير" يعد وصفًا غير كافٍ للتمثيل الدقيق للممارسات القانونية الواسعة. فمنذ إصدار قانون حمورابي المدون، تم التعامل مع مفهوم سيادة القانون بشكل كبير على أنه حجر الأساس. إذ كان تكامل الخدمة في الماضي هو الهدف الرئيسي. وبوصف القانون على أنه قاعدة اجتماعية، تحدد القوانين حدود السلوك وعواقب الأخطاء. ومن أجل الحفاظ على ثقة المواطنين في النظام القانوني، يجب أن يكون القانون متوقعًا وثابتًا وغير متحيز باستمرار.

ويمكن للإطار القانوني المتغير أن يسبب الاضطراب، مما يجعل من الصعب على الأفراد فهم حقوقهم والتزاماتهم الأخلاقية. وهذه القدرة على التنبؤ، التي تنبع من التطور التدريجي للقانون، تعزز الالتزام. كما يحافظ النهج المدروس للتغييرات القانونية على ثقة العامة، ويضمن التماسك المجتمعي والاستقرار الحديث.

التكنولوجيا في المجال القانوني

لم يكن من السهل، على مدى العقد الأخير، تصوّر حدوث أي تقدم فعالاً ومثيرًا في المجال القانوني. فبالطبع وجدت نُظم متقدمة لإدارة علاقات العملاء بشكلٍ لا يصدق، ومنصات بحث على الويب وشركات بيانات رقمية وأدوات تحليل، ولكن كانت تلك في الغالب تمثل أتمتة لنظم موجودة مسبقاً.

وفي عام 2013، حاول محامٍ الترويج لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني. وقد كانت هذه المحاولة تهدف إلى تقديم بعض الأمثلة الواقعية الموضوعية، ولكنها لم تقدم أي أمثلة لتوضيح استخدام هذه التكنولوجيا بشكل موثوق.

وفي عام 2018، واجه قطاع المحاماة واقعاً لا يمكن إنكاره، حيث شهد تقدمًا ملحوظًا لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. فقد دخل 20 محامٍ يتمتعون بخبرة وتدريب عاليين في تحديٍ مع  برنامج الذكاء الاصطناعي "LawGeex"  في الولايات المتحدة، وذلك في معركة تقييم الوثائق القانونية. ولم تكن السرعة التي أظهرها الذكاء الاصطناعي مفاجئة، حيث انتهى البرنامج من عملية مراجعة خمس اتفاقيات عدم إفصاح في 26 ثانية، مقارنة بـ 92 دقيقة لمنافسيه البشريين.

وقد كانت النقطة الأكثر إثارة للاهتمام هي دقة الذكاء الاصطناعي بنسبة 94٪، بينما سجل 20 محاميًا بشريًا ذوي خبرة عالية متوسط نسبة دقة بلغت 85٪. وتشير هذه النتائج إلى تفوق التكنولوجيا على العمليات التقليدية التي يقوم بها البشر في المجال القانوني، مما يمثل بداية عصر التحول في هذا المجال.

المهارات البشرية والذكاء الصناعي

وعلى الرغم من الانتصار الواضح للذكاء الاصطناعي، سارع الناس إلى الإشارة إلى أنه مهما كان هذا مثيرًا للإعجاب، فإن المهمة المعنية كانت شديدة التحديد، ولم تتطلب أي إبداع أو مهارة قانونية، بل فضلت القوة الحسابية الكبيرة للذكاء الاصطناعي. وتم توجيه مجموعة من الانتقادات إلى مؤيدي الذكاء الاصطناعي، بحجة أنه لن يمتلك أبدًا الذكاء العاطفي أو القدرة على التعاطف، كما أنه لن يكون قادرًا على التفكير النقدي أو التفوق في حل النزاعات والتفاوض.

وتتضاءل هذه الحجج بسرعة إلى عبارات عامة عندما يفكر المرء في نقاط القوة الفريدة للذكاء الاصطناعي التي تمكنه من المنافسة في مثل هذه المجالات. فنظرًا لأن النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) مثل ChatGPT  تواصل مسارها المثير للإعجاب، يُعتقد أن تطور شكل رقمي من التعاطف هو أمر لا مفر منه.

وفي حين أن الذكاء الاصطناعي قد لا يفكر بشكل إبداعي بالمعنى البشري أو يمتلك تعريفنا الشائع لحل المسائل الحرجة، فإن النماذج اللغوية تحدد الأنماط على الفور وتطبق المنطق من خلال كمية هائلة من البيانات. فيمكن للذكاء الاصطناعي بعد ذلك ابتكار حلول مبتكرة لمشاكل ونزاعات وخلافات معقدة قد تكون خارج قدرات المحامي البشري النموذجي الذي قد تقيد تجاربه الشخصية وتحيزاته وجهة نظره.

وتوضح الدراسات وجود استعداد لتضمين الذكاء الاصطناعي في حل النزاعات، بل وتمتعه بالأفضلية في ذلك في حالات معينة، على الأقل، يمكن للذكاء الاصطناعي توفير تحليل فعال من حيث التكلفة وغير متحيز لمشكلة ما وكذلك مساعدة نظرائه البشريين في خلق مجموعة كبيرة من الحلول

ضرورة توافر اللمسة الإنسانية

لا يمكن إنكار براعة النماذج اللغوية الكبيرة في تفسير البيانات، ولكن القول بأن المحامين البشريين أصبحوا من الماضي قد يكون تبسيطًا مخلاً. فلا يقتصر المجال القانوني فقط على فهم الرموز المكتوبة؛ بل يتعلق بالتفسير وتطبيق الخبرات الإنسانية الفريدة والاعتبارات الأخلاقية وفن الإقناع المعنوي.

ولا يمكن للآلات، رغم قوتها الحسابية، أن تحاكي هذه المهارات بالكامل. ومع ذلك، فإن الجمع بين القوة الحسابية للذكاء الاصطناعي والبصيرة البشرية يخلق شراكة قوية: وذلك من خلال مهندس الأوامر القانونية (LPE).

مهندسو الأوامر القانونية (LPE)

يتمثل الدور الأساسي لمهندسي الأوامر القانونية في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وخاصة نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) ، في تعزيز المهام القانونية التي تستغرق وقتًا طويلاً، مما يحول تدفقات العمل القانونية التقليدية. فقد لا يكون المهندسون في هذه الوظيفة خبراء قانونيين، لكنهم يتفوقون في صياغة أسئلة دقيقة لهذه النماذج، واستخراج إجابات تتوافق مع الفروق القانونية الدقيقة. ففي الأساس، يمثل هؤلاء الخبراء تحولًا نموذجيًا كبيرًا، مما يطور دور الممارسين القانونيين.

في البحث القانوني، يستخدم مهندسو الأوامر القانونية النماذج المتقدمة في تحسين الفهم. حيث يتم إدخال النصوص القانونية المحددة أو القوانين أو الملخصات في الذكاء الاصطناعي مما ينتج عنه توضيحات أو رؤى سياقية أو ملخصات وافية. ويساعد ذلك المحامين وغيرهم من المهنيين القانونيين على فهم دلالات النصوص بسرعة، مما يسهل عملية البحث.

وفي صياغة المستندات القانونية، يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح بنوداً ذات صلة، وتحديد جوانب الحجج وتقديم توصيات تزيد من وضوحها. كما يضمن الاتساق في المصطلحات والمراجع، ويحدد المصطلحات اللغوية الغير مؤثرة ويتحقق من دقة الاستشهادات القانونية. كما يسلط الضوء على اللغة التي قد تحمل أكثر من معنىً، ويواكب الأعراف القضائية ويعطي الأولوية للأهمية من خلال التحليل السياقي. كما يفحص النظام مدى الاتساق في الجداول الزمنية المنصوص عليها ويحدد المصطلحات اللغوية التي قد تدل على التحيز أو عدم الإنصاف.

وفيما يتعلق بالتدريب والعصف الذهني، يمكن لـمهندسي الأوامر القانونية تقديم مواقف افتراضية، وصياغة أسئلة تثير الحجج أو التداعيات القانونية المحتملة. مما يجعل هندسة الأوامر القانونية تقدم منظوراً جديداً للمحامين المخضرمين، وليست فقط مجرد أداة تعليمية للمحامين والمهنيين القانونيين الناشئين.

تحويل التركيز

يتيح هذا التآزر للمحامين البشريين المخضرمين التركيز على الفروق القانونية الدقيقة ووضع الاستراتيجيات وإدارة التفاعلات مع العملاء وغير ذلك من المهام التي تتطلب لمسة شخصية. فعلى الرغم من القدرات المعززة عبر الإنترنت لأجهزة هندسة الأوامر القانونية، لا يزال يُعتقد أن المحامي المعتمد سيظل حارس البوابة النهائي، مما يضمن أن كل قطعة من العمل القانوني تلتزم بأعلى معايير الدقة القانونية.

ومن خلال وجود محامٍ متمرس كالعين الفاحصة الأخيرة لأي عمل قانوني، يمكن للعملاء الاطمئنان إلى أن براعة وقوة التكنولوجيا تخضع للمراجعة والتدقيق باستمرار بواسطة الحكم البشري.

إن الدمج الشامل للذكاء الاصطناعي في المجال القانوني ليس نهاية العالم للمحامين التقليديين بل هو مجرد تطور. إذ يمثل مهندسو الأوامر القانونية صورة تعكس دمج التقاليد القانونية المجربة والمختبرة مع التكنولوجيا المستقبلية.

وفي المشهد القانوني دائم التطور، يعد التعلم المستمر ذا أهمية قصوى. فلا شيء في العقدين الماضيين يمكن أن يهيئ القطاع القانوني للتحولات الكارثية التي حدثت مؤخرًا. ويضمن التكيف مع التقنيات الجديدة والنماذج القانونية وتوقعات العملاء بقاء المحامين المخضرمين متصلين وفعالين في تقديم خدمات قانونية نموذجية.

فمع مواجهتنا لتحديات معقدة بشكل متزايد، من الواضح أن هناك حاجة إلى أكثر من مجرد أساليب مجربة عبر الزمن. ففي الاتحاد الرائد بين القانون البشري والذكاء الاصطناعي، يُعتقد أننا نبشر بعصر جديد حيث يتعاون كلاً من الابتكار والتقاليد لضمان بقاء ميزان العدالة متوازنًا ولكن بكفاءة ودقة وإمكانيات أكبر من أي وقتٍ مضى.

المؤتمر العربي الثامن للمحاماة

انضم للمشاركين في النسخة الثامن من المؤتمر العربي الثامن للمحاماة تحت شعار شراكات وتكتلات