التحكيم لا يحمي المجرمين (قضية Sorelec ضد ليبيا)
2022/10/24

أيدت محكمة النقض الفرنسية بقرارها 7 سبتمبر 2022، في قضية Sorelec سوريليك قرار محكمة الاستئناف بباريس في عام 2020. وللمرة الأولى، وافقت أعلى محكمة مدنية في فرنسا بشكل مباشر على تحول في سوابق محكمة استئناف باريس له تداعياته على فرنسا كمكان للتحكيم. إذ أبطل حكم التحكيم بناء على مزاعم بالفساد.

 تتلخص واقعات قضية التحكيم في أنه في عام 1979، أبرمت الشركة الفرنسية ("Sorelec") عقدا مع الحكومة الليبية لبناء مدارس وشقق. عندما اختلف الطرفان على تنفيذ العقد، قاموا بتقديم نزاعهم إلى التحكيم في غرفة التجارة الدولية بباريس ICC في عام 2013 بموجب معاهدة الاستثمار الثنائية بين فرنسا وليبيا (BIT) في عام 2017، أصدرت هيئة التحكيم حكما جزئيا بالتسوية بين الشركة والحكومة الليبية. وألزمت الدولة الليبية بدفع مبلغ 230.000.000 يورو بحكم تحكيم نهائي في عام 2018. وقد ثبت أن اتفاقية التسوية أنفة البيان والظروف التي أدت إلى إبرامها كانت حاسمة في إبطال حكم التحكيم أمام محكمة الاستئناف في باريس.

سعت الحكومة الليبية إلى إبطال حكم التحكيم، بحجة أن اتفاقية التسوية كانت نتيجة رشوة الموظفين العموميين المسؤولين في ذلك الوقت، والتي بالإضافة إلى ذلك كانت تمثل جزءا فقط من البلاد (كانت هناك حكومتان في ذلك الوقت). تمسكت ليبيا بأنه من خلال التصديق على الرشوة بأثر رجعي، فإن حكم التحكيم يخالف "النظام العام الدولي" في فرنسا.

وعلى الرغم من أنه من مبادئ التحكيم التجاري الدولي مبدأ الاستوبل Estoppel الذي من مؤداه أنه لا يجوز بصفة عامة إثارة مسألة أمام محكمة الإبطال لأول مرة ولم تناقش أمام هيئة التحكيم على أساس فكرة التنازل الضمني. ومع ذلك، رأت محكمة الاستئناف في باريس أن من حقها إجراء تحقيق كامل، بلا قيود، في الموضوع (القانون والواقع). وحاولت تبرير مثل هذا التحقيق بالرجوع إلى صلاحياتها لضمان توافق حكم التحكيم مع النظام العام الدولي (الفرنسي)، خروجاً على مبادئ التحكيم التي تقرر عدم جواز الرقابة القضائية على موضوع التحكيم، فهي رقابة إجرائية غالباً ذلك، فإن ما فعلته محكمة الاستئناف لم يكن سوى رقابة موضوعية أي على الأسس الموضوعية، إذ قيمت بالتفصيل الأدلة والوقائع للفساد التي أثارتها الحكومة الليبية في إجراءات الإبطال، وكان كافياً لمحكمة باريس أن تشير الحكومة الليبية إلى الظروف الخارجية (سياق الحرب الأهلية الليبية، حيث توجد حكومتان في نفس الوقت؛ ولكن أيضا " المناخ العام للفساد ") وظروف المفاوضات اتفاق التسوية (الوزير غير رأيه القانوني فجأة واستمرت المفاوضات يوما واحدا ولم يتم توثيقها).

وعلى الرغم أن البينة على من ادعى، إلا أنه قد تحول عبء الإثبات تجاه المستثمر لتبرير المخالفات. وقد تعزز ذلك من خلال حقيقة أن التسوية أدت بشكل أساسي إلى تنازل الحكومة الليبية عن جميع مواقف سوريليك، دون أن يكون لها مصلحة موضوعية في القيام بذلك.

وفي قرارها سوريليك بتاريخ 7 سبتمبر 2022، أكدت محكمة النقض الفرنسية الآن التحول الذي قامت به محكمة الاستئناف في باريس ، لأول مرة بشكل صريح، ذلك أنه، وكما قضت محكمة النقض الفرنسية، لا يجوز تقييد تقييم مخالفة النظام العام الدولي لموقف ما من أحد الأطراف أثناء التحكيم .وعليه، فإن الادعاء بأن الدولة الليبية قد أثبتت "خيانة" من خلال عدم التذرع بالدفاع عن الفساد أمام المحكمين، ولكن فقط في إجراءات الإبطال، لا يحرم المحكمة من إجراء بحثها الخاص حول هذه القضية بعبارة أخرى، رفضت محكمة النقض الفرنسية الاعتراف بمبدأ الاستوبل الفساد والغش والفساد.

فبسبب الجريمة (الرشوة) جاز الادعاء بمخالفة حكم التحكيم للنظام العام الدولي – والوطني في اعتقادنا- بسبب الرشوة لأول مرة أمام محكمة الإبطال، وجاز لها أن تراقب موضوع حكم التحكيم، خروجا على قواعد التحكيم، بل وقد خرجت المحكمة عن القواعد العامة في الاثبات بأن ألقت عبء إثبات عدم حدوث الجريمة على خصم الدولة الليبية. فبسبب ارتكاب الجريمة في التحكيم، أضحت الاستثناءات قواعد عامة، وعطلت القواعد العامة ونحيت جانباً، لأن الغش يفسد كل شيء، كما أن نظام التحكيم لابد أن يكون نظيفاً لا يحمي المجرمين.

أ. د/ أحمد سيد أحمد محمود .أستاذ المرافعات والتحكيم [1]

أحمد سيد أحمد محمود، الاستوبل الإجرائي في قانون المرافعات، دار النهضة العربية، سنة 2016


شهادة المحكم المحترف

للمزيد حول حكم التحكيم ومهارات صياغة واسباب بطلانه انضم للمشاركين في شهادة المحكم المحترف