ما مدى وجوب توقيع المحكمين على جميع صفحات حكم التحكيم؟ هيئة توحيد المبادئ القضائية في الإمارات تحسم الخلاف
أصدرت هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية في دولة الإمارات، بجلسة 4 أغسطس 2025، قرارها في الطلب رقم (1) لسنة 2025، برئاسة القاضي محمد حمد البادي. وحسم القرار خلافًا قضائيًا بشأن مدى وجوب توقيع المحكمين على جميع صفحات حكم التحكيم، وما إذا كان إغفال ذلك يؤدي إلى بطلانه.
الخلفية
نشأ التعارض بين اتجاهين قضائيين؛ إذ اشترطت محكمة تمييز دبي، في الطعن رقم 403 لسنة 2020 مدني وما وافقه من أحكام، توقيع المحكمين على جميع صفحات الحكم، ورتبت البطلان على مخالفة ذلك باعتباره متعلقًا بالنظام العام.
في المقابل، قررت محكمة تمييز رأس الخيمة في الطعن رقم 5 لسنة 2024 مدني، بما يتفق مع أحكام أخرى صادرة عن المحكمة الاتحادية العليا ومحكمة نقض أبوظبي، أن توقيع الصفحة الأخيرة يكفي للتحقق من صدور الحكم عن المحكمين. وأمام هذا التعارض، تقدم النائب العام الاتحادي بطلب إلى الهيئة لتوحيد المبدأ.
القرار
قررت الهيئة العدول عن الاتجاه الذي يشترط توقيع جميع صفحات حكم التحكيم، وإقرار الاتجاه القائل بكفاية توقيع المحكمين على الصفحة الأخيرة، دون أن يترتب على عدم توقيع باقي الصفحات بطلان الحكم.
الأسباب
أكدت الهيئة أن أحكام التحكيم تخضع لنظام قانوني مستقل عن الأحكام القضائية، فلا تسري عليها الشكليات المقررة في المادة 129 من قانون الإجراءات المدنية. وبالنسبة إلى حكم التحكيم الوطني، أوجبت المادة 41 من قانون التحكيم الاتحادي توقيع أغلبية المحكمين وبيان سبب امتناع أحدهم عن التوقيع، دون اشتراط توقيع كل صفحة.
أما حكم التحكيم الأجنبي، فتخضع شروط الاعتراف به وتنفيذه لاتفاقية نيويورك لعام 1958، التي لم تجعل توقيع جميع الصفحات شرطًا للتنفيذ. كما رفضت الهيئة اعتبار هذا التوقيع من مقتضيات النظام العام، مؤكدة أن النظام العام في التحكيم التجاري الدولي يُفسر تفسيرًا ضيقًا، ولا يُحتج به إلا عند وقوع مخالفة صارخة وملموسة.
واستند القرار كذلك إلى أن الإجراءات وُضعت لخدمة الحق، وأنه لا يجوز التوسع في أسباب بطلان أحكام التحكيم أو تحميلها شكليات لم ينص عليها القانون، متى تحقق من التوقيع الغرض المتمثل في إثبات صدور الحكم عن هيئة التحكيم.
المبدأ القانوني المستقر
يكفي لصحة حكم التحكيم توقيع أغلبية المحكمين، إلكترونيًا أو يدويًا، على صفحته الأخيرة بما يثبت صدوره عنهم، ولا يشترط توقيع جميع صفحاته ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك أو يقرر القانون الواجب التطبيق حكمًا مغايرًا، ولا يعد إغفال هذا التوقيع الشامل سببًا للبطلان أو مخالفةً للنظام العام.
الخاتمة
يعزز القرار من فاعلية أحكام التحكيم ويحد من إبطالها لأسباب شكلية لا تستند إلى نص صريح. وتبرز أهميته العملية للمحكمين والمحامين عند إعداد الأحكام أو طلب الاعتراف بها وتنفيذها، إذ ينقل نطاق الرقابة من الإفراط في الشكليات إلى التحقق من سلامة الحكم وتحقيق التوقيع للغرض القانوني منه.






