بتاريخ 18 يونيو 2026، أصدرت محكمة نقض أبو ظبي حكمها في الطعن رقم 386 لسنة 2026 تجاري. ويعد هذا الحكم من الأحكام المهمة في مجال عقود المقاولات؛ لأنه يضع حدودًا واضحة لتطبيق شرط (Back to Back)، ويؤكد أن هذا الشرط لا يمكن استخدامه لتعليق حقوق مقاول الباطن إلى أجل غير معلوم، وإنما يظل منتجًا لآثاره طالما بقي الشرط الذي عُلِّق عليه الالتزام ممكن التحقق. أما إذا أصبح تحقيقه مستحيلاً، فإن التعليق يسقط ويصبح الالتزام واجب التنفيذ فورًا. كما تناول الحكم أثر الحكم السابق بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان، ومدى تمتعه بحجية تمنع إعادة رفع الدعوى بعد تغير الظروف القانونية.
أولًا: الإشكالية القانونية
أثار الحكم إشكاليتين قانونيتين بالغتي الأهمية في عقود المقاولات:
- هل يظل شرط Back to Back مانعًا لمقاول الباطن من المطالبة بمستحقاته حتى ولو أصبح تحصيل المقاول الوسيط لمستحقاته من المقاول الرئيسي مستحيلاً بسبب الإفلاس؟
- وهل يمنع الحكم السابق الصادر بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان إعادة المطالبة بالحق بعد زوال سبب عدم القبول؟
وقد أجابت محكمة النقض عن هذين التساؤلين بإرساء مبدأ مهم يوازن بين احترام الإرادة العقدية ومنع تحول الشرط التعاقدي إلى وسيلة لتعطيل الحقوق بصورة دائمة.
ثانيًا: ملخص الوقائع
تعاقد مقاول الباطن مع المقاول الوسيط بموجب عقد مقاولة من الباطن لتنفيذ جزء من أعمال أحد المشروعات، ونص العقد على احتجاز نسبة 10% من قيمة الأعمال كضمان للأداء، على أن يتم الإفراج عنها وفق نظام Back to Back، أي بعد حصول المقاول الوسيط على مستحقاته المقابلة من المقاول الرئيسي.
وبعد انتهاء مقاول الباطن من تنفيذ الأعمال والإفراج عن خطاب الضمان، بقيت قيمة المحتجزات البالغة 2,078,742.94 درهم دون سداد. وكان مقاول الباطن قد أقام سابقًا دعوى للمطالبة بهذه المستحقات، إلا أنها قضي فيها بعدم القبول لرفعها قبل الأوان لعدم تحقق الشرط الواقف.
لاحقًا، دخل المقاول الرئيسي في إجراءات الإفلاس، وأودع أمين التفليسة القائمة النهائية للدائنين دون إدراج المقاول الوسيط ضمنهم، بما يعني عمليًا استحالة حصوله على تلك المستحقات. عندئذٍ أعاد مقاول الباطن رفع الدعوى مطالبة بقيمة المحتجزات، فقضت محكمة الاستئناف بإلزام المقاول الوسيط بالسداد، فطعن المقاول الوسيط بالنقض.
ثالثًا: دفوع المقاول الوسيط
استند المقاول الوسيط إلى عدة دفوع، أهمها:
- أن التزامه بالسداد معلق على شرط واقف يتمثل في استلام مستحقاته من المقاول الرئيسي، وأن هذا الشرط لم يتحقق.
- أن استحالة تحقق الشرط لا تؤدي إلى سقوطه، وإنما يبقى الالتزام غير نافذ.
- أن مقاول الباطن سبق أن أقام الدعوى ذاتها وصدر فيها حكم نهائي بعدم القبول، بما يمنع إعادة طرح النزاع.
- أن تقرير الخبرة أثبت عدم استحقاق مقاول الباطن للمحتجزات قبل تحقق الشروط العقدية.
رابعًا: الأسس القانونية التي اعتمدتها المحكمة
رفضت محكمة النقض جميع أسباب الطعن، وأقامت قضاءها على عدة أسس قانونية متكاملة.
1. الطبيعة القانونية لشرط Back to Back
أكدت المحكمة أن الاتفاق على نظام Back to Back يعد في حقيقته تعليقًا للالتزام على شرط واقف، بحيث لا يستحق مقاول الباطن مستحقاته إلا بعد ثبوت حصول المقاول الوسيط على المقابل من صاحب المشروع.
غير أن المحكمة قررت في الوقت ذاته أن هذا التعليق ليس مطلقًا، وإنما يرتبط ببقاء الشرط ممكن الوقوع، فإذا ثبت أن الواقعة المعلق عليها الالتزام أصبحت مستحيلة، فإن أثر التعليق يزول، ويعود الالتزام إلى أصله باعتباره دينًا واجب الأداء، ما دام المدين لم يشترط صراحة استمرار التعليق رغم استحالة تحقق الشرط، وما دام الدين ما زال ثابتًا في ذمته. واستندت المحكمة في ذلك إلى أحكام المواد 420 إلى 427 من قانون المعاملات المدنية، وإلى المذكرة الإيضاحية التي تميز بين الشرط الواقف والأجل وتبين أن الالتزام لا يظل معلقًا على شرط أصبح مستحيلاً.
2. أثر إفلاس المقاول الرئيسي
رأت المحكمة أن إشهار إفلاس المقاول الرئيسي، وإيداع قائمة الدائنين النهائية خالية من اسم المقاول الوسيط، يجعل حصوله على مستحقاته منه أمرًا غير قابل للتحقق قانونًا وواقعًا، ومن ثم أصبح الشرط الواقف مستحيلاً.
وبذلك لم يعد للمقاول الوسيط أن يتمسك بشرط Back to Back لتعليق الوفاء إلى ما لا نهاية، لأن الالتزام المعلق على هذا الشرط عاد واجب التنفيذ بعد سقوط أثر التعليق.
3. عدم حجية الحكم السابق
تناولت المحكمة الدفع بسبق الفصل في الدعوى، وقررت أن الحكم السابق لم يفصل في أصل الحق، وإنما اقتصر على القضاء بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان.
وأوضحت أن هذا النوع من الأحكام لا يحوز حجية تمنع إعادة رفع الدعوى متى استكملت شروطها، وأن استحالة تحقق الشرط الواقف بعد إفلاس المقاول الرئيسي تمثل واقعة قانونية جديدة أجازت إعادة المطالبة بالحق ذاته. واستندت المحكمة في ذلك إلى المادة 87 من قانون الإثبات بشأن نطاق حجية الأحكام.
4. سلطة المحكمة في تقدير الخبرة
كما رفضت المحكمة الدفع القائم على تقرير الخبرة، مؤكدة أن تقرير الخبير لا يعدو أن يكون عنصرًا من عناصر الإثبات يخضع لتقدير محكمة الموضوع، وأن الخبرة ذاتها أثبتت اتفاق الطرفين على قيمة الأعمال المنفذة، وأن المبلغ المطالب به يمثل فقط المحتجزات المتبقية، ومن ثم فإن النزاع انحصر في أثر الشرط الواقف وليس في تنفيذ الأعمال أو مقدار المستحقات.
المبادئ القانونية المستخلصة من الحكم
1. يعد شرط Back to Back شرطًا واقفًا يعلق استحقاق مستحقات مقاول الباطن على حصول المقاول الوسيط على مستحقاته من المقاول الرئيسي.
2. إذا أصبح الشرط الواقف مستحيلاً بصورة نهائية، زال أثر التعليق وأصبح الدين واجب الأداء فورًا.
3. لا يجوز استخدام شرط Back to Back لتعليق حقوق مقاول الباطن إلى أجل غير معلوم.
4. الحكم بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان لا يحوز حجية في أصل الحق، ويجوز إعادة رفع الدعوى بعد زوال سبب عدم القبول.
5. لمحكمة الموضوع سلطة تقدير تقرير الخبرة والأخذ به متى اطمأنت إلى سلامة أسبابه.
6. إفلاس المقاول الرئيسي وعدم إدراج دين المقاول الوسيط في القائمة النهائية للدائنين يعد قرينة قانونية على استحالة تحقق شرط الدفع المعلق عليه الالتزام.
خاتمة
يمثل هذا الحكم تطبيقًا دقيقًا للنظرية العامة للالتزامات، إذ فرقت المحكمة بين وجود الشرط الواقف وإمكان تحققه. فالعقود تحترم ما اتفق عليه الأطراف، لكن لا يجوز أن تتحول الشروط إلى وسيلة لإهدار الحقوق أو تجميدها إلى أجل غير معلوم.
وقد تبنت المحكمة تفسيرًا يحقق التوازن بين مصلحة المقاول الوسيط ومقاول الباطن؛ فشرط Back to Back يظل صحيحًا ونافذًا طالما بقي تحصيل المستحقات من المقاول الرئيسي أمرًا ممكنًا، أما إذا أصبح هذا التحصيل مستحيلاً نتيجة الإفلاس أو أي سبب قانوني نهائي، فإن استمرار تعليق الدين يفقد مبرره، ويصبح مخالفًا للعدالة العقدية وللقواعد العامة في الالتزامات.
ويُلاحظ كذلك أن المحكمة لم تعتبر مجرد تعثر المقاول الرئيسي سببًا لسقوط الشرط، وإنما اشترطت وجود دليل قانوني قاطع على استحالة تحقق الواقعة، وهو ما تحقق بإيداع القائمة النهائية للدائنين التي خلت من دين المقاول الوسيط، بما جعل الوفاء من جانب المقاول الرئيسي غير ممكن قانونًا.
كما يعكس الحكم فهمًا دقيقًا لحجية الأحكام؛ إذ فرق بين الأحكام التي تفصل في أصل الحق والأحكام الإجرائية التي تؤجل فقط إمكانية المطالبة القضائية، وهو تمييز بالغ الأهمية في المنازعات التجارية.







