استئناف المدينة المنورة: إنفراد أحد الخصوم بتعيين هيئة التحكيم يخالف النظام ويخل بالعدالة في شأن مطالبة بأتعاب المحاماة
بتاريخ 21 مايو 2025، أصدرت الدائرة العامة بمحكمة الاستئناف في المدينة المنورة حكمها رقم 4631034735، في دعوى بطلان حكم تحكيم نشأت عن عقد خدمات قانونية مبرم بين مكتب محاماة وعميله، تضمن شرطاً يمنح المكتب وحده سلطة تعيين المحكم الفرد.
وتتمثل الإشكالية القانونية التي يناقشها الحكم في مدى صحة شرط التحكيم الذي يمنح مكتب المحاماة سلطة منفردة في تعيين المحكم للفصل في النزاع الناشئ عن عقد الخدمات القانونية، وما إذا كان ورود هذه السلطة في العقد يكفي لصحة التعيين، أم أن إخلالها بالعدالة والتوازن بين المكتب والعميل يؤدي إلى بطلان الحكم التحكيمي.
وانتهت المحكمة إلى أن اختيار المحكم بإرادة مكتب المحاماة وحده يخل بالعدالة في تشكيل هيئة التحكيم، ويشكل سبباً لبطلان الحكم الصادر عنها.
أولاً: الوقائع
أبرم العميل عقداً مع مكتب محاماة لتقديم خدمات قانونية، ونص البند الثامن منه على الفصل في المنازعات الناشئة عن العقد بواسطة محكم فرد يملك المكتب تعيينه.
وعقب نشوء نزاع بشأن أتعاب الخدمات القانونية، عين مكتب المحاماة المحكم منفرداً. وباشر المحكم إجراءات التحكيم، ثم أصدر حكماً بإلزام العميل بأن يؤدي إلى المكتب مبلغاً قدره 822,592 ريالاً شاملاً ضريبة القيمة المضافة، مع رفض ما عدا ذلك من طلبات.
أقام العميل دعوى أمام محكمة الاستئناف طالباً بطلان حكم التحكيم، مستنداً بصفة أساسية إلى أن المحكم عُيّن بواسطة مكتب المحاماة وحده دون موافقته، وبالمخالفة للتوازن الواجب مراعاته في تشكيل هيئة التحكيم. كما أثار اعتراضات أخرى تتعلق بصحة التمثيل عند إبرام العقد، وغياب الموافقة المتبادلة على حياد المحكّم واستقلاله، وعدم تمكينه من تقديم دفاعه، فضلاً عن بعض المخالفات المهنية المرتبطة بالعلاقة التعاقدية.
ثانياً: دفوع وطلبات الطرفين
تمسك العميل بأن انفراد مكتب المحاماة بتعيين المحكّم أخل بمبدأ العدالة في تشكيل هيئة التحكيم، وأن النص الوارد في العقد لا يكفي لتصحيح إجراءات التعيين؛ لما يمنحه للمكتب من ميزة إجرائية لا يتمتع بها العميل. وطلب الحكم ببطلان الحكم التحكيمي وترتيب الآثار النظامية المترتبة على ذلك.
في المقابل، دفع مكتب المحاماة بصحة العقد وشرط التحكيم الوارد فيه، وقرر أن تعيين المحكم وإجراءات التحكيم تمّا وفقاً لنظام التحكيم السعودي، طالباً إثبات حكم التحكيم ورفض دعوى البطلان.
ثالثاً: رأي المحكمة وحيثياته
قبلت المحكمة دعوى البطلان شكلاً لتقديمها وفق الإجراءات النظامية، ثم بحثت مدى سلامة تشكيل هيئة التحكيم. واستندت إلى الفقرة الأولى من المادة 50 من نظام التحكيم، التي تجيز إبطال حكم التحكيم إذا لم يوجد اتفاق تحكيم صحيح، أو إذا شُكلت هيئة التحكيم أو عُيّن المحكمون على وجه مخالف للنظام أو لاتفاق الطرفين.
وبفحص شرط التحكيم وإجراءات تعيين المحكم، تبين للمحكمة أن الاختيار تم بواسطة مكتب المحاماة وحده، استناداً إلى بند عقدي يمنحه دون العميل سلطة تعيين المحكم الفرد. ورأت المحكمة أن هذه الآلية تخل بمبدأ العدالة بين طرفي عقد الخدمات القانونية، كما تخالف المادتين 15 و16 من نظام التحكيم.
وانتهت المحكمة إلى توافر حالتي البطلان المنصوص عليهما في الفقرتين (أ) و(هـ) من الفقرة الأولى من المادة 50 من النظام؛ لاتصال الخلل بصحة اتفاق التحكيم من ناحية، ولمخالفة طريقة تعيين المحكم لأحكام النظام من ناحية أخرى.
ولم تقم المحكمة قضاءها على بقية المخالفات التي أثارها العميل بشأن صحة العقد أو التمثيل أو المخالفات المهنية، إذ كان ثبوت انفراد مكتب المحاماة بتعيين المحكّم كافياً للقضاء ببطلان الحكم التحكيمي.
رابعاً: منطوق الحكم
قضت المحكمة ببطلان حكم التحكيم الذي انتهى إلى اختصاص هيئة التحكيم الفردية بنظر النزاع وإلزام العميل بأن يؤدي إلى مكتب المحاماة مبلغاً قدره 822,592 ريالاً شاملاً ضريبة القيمة المضافة.
خامساً: المبادئ القانونية المستخلصة من الحكم
يبطل حكم التحكيم إذا انفرد أحد طرفي العقد بتعيين المحكم على نحو يخل بالعدالة والتوازن في تشكيل هيئة التحكيم، ولو استند هذا الانفراد إلى نص تعاقدي؛ إذ تظل آلية التعيين خاضعة لأحكام نظام التحكيم ورقابة القضاء.
خاتمة
يؤكد الحكم أن حرية مكتب المحاماة والعميل في تنظيم إجراءات التحكيم لا تمتد إلى اعتماد آلية تمنح أحدهما سيطرة منفردة على اختيار المحكم. فالتوازن في تشكيل هيئة التحكيم يمثل ضمانة أساسية لعدالة الإجراءات، ويظل خاضعاً لرقابة القضاء ولو استند التعيين إلى نص تعاقدي صريح. ومن ثم، ينبغي أن تُصاغ شروط التحكيم في عقود الخدمات القانونية بما يكفل مشاركة متوازنة للطرفين في اختيار المحكّمين، أو يسند التعيين إلى جهة مستقلة عند تعذر اتفاقهما. كما يفيد الحكم أطراف المنازعات في التحقق من سلامة تشكيل هيئة التحكيم والاعتراض في الوقت المناسب على أي إجراء يخل بالتوازن بينهم، تفادياً لإهدار الوقت والتكاليف في إجراءات قد تنتهي ببطلان الحكم التحكيمي.






