استئناف باريس: لا حجية للأحكام القضائية في التحكيم قبل منحه الصيغة التنفيذية
2026/07/22

أصدرت محكمة استئناف باريس بتاريخ 7 يوليو 2026 حكمًا مهمًا في القضية CCCC Ltd v. Algerian Shareholders (RG n° 21/18611)، تناولت فيه إحدى أكثر المسائل إثارةً في مجال التحكيم التجاري الدولي، وهي مدى تأثير صدور حكم قضائي أجنبي يقضي باختصاص محاكم الدولة بنظر النزاع على اختصاص هيئة تحكيم مقرها فرنسا، وما إذا كان هذا الحكم يمكن أن يشكل أساسًا لإبطال حكم التحكيم أو لمنع تنفيذه.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأنها تحدد العلاقة بين القضاء الوطني الأجنبي ومبدأ الاختصاص بالاختصاص (Compétence-Compétence) في القانون الفرنسي، كما ترسم حدود الاحتجاج بالنظام العام الدولي عند تعارض حكم قضائي أجنبي مع حكم تحكيمي صادر في فرنسا.

الإشكالية القانونية

يثير الحكم إشكالية قانونية دقيقة تتمثل في:

هل يكفي صدور حكم أجنبي سابق يؤكد اختصاص محاكم الدولة بنظر النزاع حتى يحول دون مباشرة هيئة التحكيم لاختصاصها، أو يؤدي لاحقًا إلى إبطال حكم التحكيم أو رفض منحه الصيغة التنفيذية في فرنسا؟

وقد أجابت محكمة استئناف باريس بالنفي، مؤكدة أن الحكم الأجنبي لا تكون له أي حجية في مواجهة هيئة التحكيم أو القضاء الفرنسي ما لم يكن قد اكتسب القوة التنفيذية في فرنسا عن طريق منحه الصيغة التنفيذية (Exequatur). 

ملخص الوقائع

نشأ النزاع بين شركة  CCCC Ltdوشركائها الجزائريين بشأن إدارة وتشغيل مشروع مشترك أنشئ بموجب اتفاقية مساهمين أبرمت عام 2012، تضمنت شرطًا للتحكيم وفق قواعد غرفة التجارة الدولية (ICC) ومقره باريس.

وفي ديسمبر 2018، بادر المساهمون الجزائريون إلى رفع دعوى أمام المحاكم الجزائرية بشأن النزاع. وفي 8 يوليو 2019، قضت المحكمة الجزائرية باختصاصها بنظر الدعوى.

ورغم هذا الحكم، باشرت شركة  CCCC Ltdإجراءات التحكيم أمام غرفة التجارة الدولية في باريس بتاريخ  29نوفمبر 2019 استنادًا إلى شرط التحكيم الوارد في الاتفاقية.

وبتاريخ 16 سبتمبر 2021، أصدرت هيئة التحكيم حكمًا جزئيًا قضت فيه باختصاصها بنظر النزاع.

وعقب ذلك، تقدم المساهمون الجزائريون بطلب إلى محكمة استئناف باريس لإبطال هذا الحكم الجزئي، مستندين إلى مخالفة قواعد الاختصاص بالاختصاص وإلى تعارض الحكم مع النظام العام الدولي الفرنسي.

حكم المحكمة

رفضت محكمة استئناف باريس دعوى الإبطال، وأيدت صحة الحكم الجزئي الصادر عن هيئة التحكيم بشأن اختصاصها.

وأكدت المحكمة أن الحكم القضائي الأجنبي الذي يقضي باختصاص المحاكم الوطنية لا يمنع هيئة التحكيم من مباشرة اختصاصها، كما لا يصلح بذاته سببًا لإبطال حكم التحكيم أو منع منحه الصيغة التنفيذية في فرنسا، ما لم يكن هذا الحكم الأجنبي قد حصل مسبقًا على الإكسكواتور وأصبح قابلًا للتنفيذ داخل الإقليم الفرنسي.

الأسانيد القانونية للحكم

أولًا: الحكم الأجنبي لا يقيد هيئة التحكيم إلا بعد منحه الصيغة التنفيذية في فرنسا

استندت المحكمة إلى قواعد القانون الفرنسي المنظمة لمبدأ الاختصاص بالاختصاص، وقررت أن الحكم القضائي الأجنبي لا يكتسب حجية في مواجهة هيئة التحكيم لمجرد صدوره.

وأوضحت أن هذا الحكم لا يكون ملزمًا إلا إذا توافرت فيه شرطان أساسيان:

  • أن يكون قد أصبح نهائيًا.
  • وأن يكون قد منح الصيغة التنفيذية (Exequatur) في فرنسا قبل مباشرة هيئة التحكيم اختصاصها.

ولما كان الحكم الجزائري لم يكن قد حصل على الصيغة التنفيذية (Exequatur) في فرنسا وقت بدء إجراءات التحكيم، فإنه لم يكن ينتج أي أثر قانوني يمنع هيئة التحكيم من الفصل في اختصاصها.

وبذلك أكدت المحكمة أن الأولوية الزمنية لصدور الحكم القضائي الأجنبي لا تكفي وحدها لإقصاء اختصاص هيئة التحكيم.

ثانيًا: تعارض الأحكام لا يمس النظام العام إلا إذا كانت جميعها قابلة للتنفيذ في فرنسا

دفع الطاعنون بأن تنفيذ الحكم التحكيمي يتعارض مع النظام العام الدولي الفرنسي، لأن هناك حكمين متناقضين؛ أحدهما صادر عن المحكمة الجزائرية ويقرر اختصاص القضاء، والآخر صادر عن هيئة التحكيم ويقرر اختصاصها.

غير أن المحكمة رفضت هذا الدفع، وقررت أن التعارض بين الأحكام لا يكون مؤثرًا في النظام العام الدولي إلا إذا كانت الأحكام المتعارضة جميعها قابلة للتنفيذ داخل فرنسا.

ولما كان الحكم الجزائري لم يحصل على الصيغة التنفيذية (Exequatur)، فإنه لا يتمتع بأي قوة تنفيذية في فرنسا، ومن ثم لا يمكن اعتباره حكمًا يتعارض قانونًا مع الحكم التحكيمي أو يمنع منحه الصيغة التنفيذية.

وبناءً على ذلك، انتهت المحكمة إلى أن غياب الصيغة التنفيذية (Exequatur) يمنع الاحتجاج بالحكم الأجنبي سواء لإبطال حكم التحكيم أو لمنع تنفيذه.

المبادئ المستخلصة من الحكم

1.   الحكم القضائي الأجنبي لا تكون له حجية في مواجهة هيئة التحكيم الفرنسية إلا إذا مُنح الصيغة التنفيذية (Exequatur) في فرنسا.

2.   الأسبقية الزمنية للحكم القضائي الأجنبي لا تحول بذاتها دون مباشرة هيئة التحكيم لاختصاصها.

3.   هيئة التحكيم تحتفظ بحقها في الفصل في اختصاصها وفقًا لمبدأ الاختصاص بالاختصاص، ما لم يوجد حكم أجنبي نافذ قانونًا داخل فرنسا يقيدها.

4.   لا يتحقق التعارض المخالف للنظام العام الدولي بين حكمين إلا إذا كان كلاهما قابلًا للتنفيذ في فرنسا.

5.   عدم حصول الحكم الأجنبي على الصيغة التنفيذية (Exequatur) يحول دون الاستناد إليه لإبطال حكم التحكيم أو الاعتراض على منحه الصيغة التنفيذية.

6.   الصيغة التنفيذية (Exequatur) ليس إجراءً شكليًا لاحقًا، وإنما يمثل شرطًا جوهريًا لاكتساب الحكم الأجنبي أي أثر قانوني داخل فرنسا.

خاتمة

يمثل هذا الحكم تأكيدًا جديدًا لنهج القضاء الفرنسي الداعم للتحكيم الدولي، إذ يرسخ استقلال العملية التحكيمية عن الأحكام القضائية الأجنبية التي لم تكتسب بعد قوة النفاذ في فرنسا.

كما يوجه رسالة عملية مهمة إلى أطراف المنازعات الدولية، مفادها أن الحصول على حكم قضائي أجنبي مؤيد لاختصاص المحاكم الوطنية لا يكفي لحماية هذا الاختصاص داخل فرنسا، وإنما يجب المبادرة إلى استصدار الصيغة التنفيذية (Exequatur) إذا أريد الاحتجاج بهذا الحكم أمام القضاء الفرنسي أو في مواجهة هيئة التحكيم.

وبذلك يرسخ الحكم قاعدة عملية بالغة الأهمية في منازعات الاختصاص الدولية، مؤداها أن الحكم الأجنبي لا يصبح درعًا في مواجهة التحكيم إلا بعد أن يكتسب القوة التنفيذية في فرنسا.