أولًا: السياق العام لاعتماد القانون النموذجي
أدى التحول الرقمي المتسارع في الأنشطة التجارية إلى اعتماد متزايد على النظم المؤتمتة، بما في ذلك النظم القائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، في إبرام العقود وتنفيذها دون تدخل بشري مباشر. وقد أفرز هذا الواقع إشكاليات قانونية دقيقة، تتعلق بمدى صحة العقود المؤتمتة، وإسناد التصرفات القانونية، وتحديد المسؤولية، فضلاً عن قابلية تلك العقود للنفاذ والتنفيذ في النطاقين الوطني والدولي.
وفي هذا السياق، اعتمدت لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال) قانون الأونسيترال النموذجي بشأن التعاقد المؤتمت باعتباره أداة تشريعية دولية تهدف إلى سد الفجوات القانونية التي قد تعوق الاستفادة الكاملة من إمكانات التجارة الرقمية، وتعزيز اليقين القانوني في المعاملات التي تعتمد على الأتمتة.
ثانيًا: أهداف القانون النموذجي ووظيفته التشريعية
يرمي القانون النموذجي إلى تحقيق جملة من الأهداف المتكاملة، في مقدمتها:
- تعزيز الثقة في المعاملات الرقمية، ولا سيما تلك التي تُبرم أو تُنفذ بواسطة نظم مؤتمتة.
- إزالة عدم اليقين القانوني بشأن الأثر القانوني للأفعال الصادرة عن النظم المؤتمتة.
- تيسير التجارة الإلكترونية العابرة للحدود عبر توفير إطار قانوني منسجم وقابل للتكييف وذي طابع دولي.
ولا يستهدف القانون النموذجي إحلال قواعد قانونية جديدة محل قانون العقود القائم، وإنما يسعى إلى استكماله وتيسير تطبيقه على التعاقد المؤتمت، من خلال معالجة الإشكاليات التي تثيرها الأتمتة بوصفها وسيلة لتنفيذ الإرادة التعاقدية، لا مصدرًا مستقلاً لها.
ثالثًا: نطاق التطبيق وحدوده
يقتصر نطاق تطبيق القانون النموذجي على استخدام النظم المؤتمتة في تكوين العقود وتنفيذها، سواء تعلق الأمر بإصدار عروض أو قبولات، أو بتنفيذ الالتزامات التعاقدية أو تعديلها أو إنهائها.
وفي المقابل، لا يمتد نطاقه إلى تنظيم تصميم النظم المؤتمتة أو تشغيلها من الناحية التقنية، ولا إلى المسائل القانونية الخارجة عن الإطار التعاقدي، كالمسؤولية التقصيرية أو قواعد حماية المستهلك، إلا بقدر ما تسمح به التشريعات الوطنية ذات الصلة.
ويؤكد هذا التحديد الدقيق للنطاق الطابع الوظيفي للقانون النموذجي، بوصفه أداة تشريعية متخصصة لا تسعى إلى وضع مدونة شاملة للذكاء الاصطناعي، وإنما إلى معالجة آثاره في المجال التعاقدي على وجه الخصوص.
رابعًا: المبادئ القانونية الحاكمة للتعاقد المؤتمت
1. مبدأ الحياد التكنولوجي
يعد الحياد التكنولوجي من الركائز الأساسية التي يقوم عليها القانون النموذجي، إذ لا يفرض استخدام تكنولوجيا معينة، ولا يميز بين النظم المؤتمتة تبعًا لدرجة تعقيدها أو اعتمادها على الذكاء الاصطناعي. ويهدف هذا المبدأ إلى ضمان مرونة تشريعية قادرة على مواكبة التطورات التقنية المستقبلية دون الحاجة إلى تعديلات متكررة.
2. مبدأ عدم التمييز ضد الأتمتة
يحظر القانون النموذجي إنكار صحة العقد أو قابليته للنفاذ لمجرد أنه أُبرم أو نُفّذ بواسطة نظام مؤتمت، أو لغياب التدخل البشري في إجراءاته. ويُعد هذا المبدأ امتدادًا منطقيًا لمبدأ عدم التمييز ضد الوسائل الإلكترونية، مع تكييفه ليتلاءم مع خصوصية الأتمتة.
3. مبدأ حرية الأطراف
يكرّس القانون النموذجي حرية الأطراف في تقرير استخدام النظم المؤتمتة وتنظيم شروط هذا الاستخدام باتفاقهم، في حدود القواعد الآمرة. ويُتيح ذلك للأطراف اعتماد أطر تعاقدية مرنة، سواء في عقود ثنائية أو عبر منصات رقمية تشغّلها أطراف ثالثة.
خامسًا: الإسناد والمسؤولية في التعاقد المؤتمت
يعالج القانون النموذجي مسألة إسناد الأفعال الصادرة عن النظم المؤتمتة، من خلال إسنادها، كأصل عام، إلى الشخص الذي يستخدم النظام أو يضعه موضع التشغيل، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك.
كما يعالج الإشكاليات المرتبطة بالإجراءات غير المتوقعة التي قد تنفذها النظم المؤتمتة، واضعًا معايير موضوعية تقوم على التوقع المعقول والعلم المفترض، بما يحقق توازنًا بين حماية الثقة المشروعة وعدم تحميل الأطراف تبعات غير عادلة.
سادسًا: القيمة العملية للقانون النموذجي بالنسبة للتشريعات الوطنية
يمثل قانون الأونسيترال النموذجي بشأن التعاقد المؤتمت مرجعًا تشريعيًا مهمًا للدول عند تحديث أو سن تشريعاتها الوطنية في مجال التجارة الإلكترونية. فهو يوفر إطارًا معياريًا موحدًا، يعزز الاتساق بين النظم القانونية المختلفة، ويحد من التباين التشريعي الذي قد يعرقل المعاملات الرقمية الدولية.
كما يُمكن للأطراف الخاصة الاسترشاد بأحكامه عند صياغة عقودها أو أطرها التعاقدية، بما يسهم في رفع مستوى اليقين القانوني وتقليل المخاطر المرتبطة باستخدام النظم المؤتمتة في التعاقد.
خاتمة
في ضوء ما تقدم، يتضح أن قانون الأونسيترال النموذجي بشأن التعاقد المؤتمت يشكّل خطوة نوعية في مسار تحديث القانون التجاري الدولي، إذ يوفّق بين متطلبات الابتكار التكنولوجي ومقتضيات الاستقرار القانوني. وهو بذلك يرسخ إطارًا قانونيًا متوازنًا يعزز الثقة في التعاقد الرقمي، دون أن يقيّد التطور التقني أو يفرض حلولًا تشريعية جامدة، الأمر الذي يجعله أداة محورية في بناء مستقبل قانوني مستدام للاقتصاد الرقمي.







